الصفحة الرئيسية

  القرآن الكريم

  أهل البيت عليهم السلام

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  شهداء آل الحكيم

  معرض صور آل الحكيم

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  أعلام آل الحكيم

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  أخبار هامة

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  التراث العلمي

  صور الفيس بوك

  قصص وضحايا

  مواقع صديقة

  من نحن

  إتصل بنا



البحث في الموقع









جديد الموقع




 أسرة الإمام الحكيم (قدس سره) تقيم مجلسها السنوي بذكرى ايام عاشوراء

 مكتب سماحة السيد عمار الحكيم (دام عزه) يقيم حفل تأبيني بمناسبة الذكرى السنوية لرحيل عزيز العراق (قدس سره)

 مكتب سماحة السيد عمار الحكيم (دام عزه) يقيم حفل تأبيني بمناسبة الذكرى السنوية لاستشهاد شهيد المحراب (قدس سره)

 المؤمنون في العالم يحيون يوم الشهيد العراقي

 الجالية العراقية في لندن تقيم حفل تأبيني بمناسبة الذكرى السنوية لإستشهاد سفير المرجعية

 أسرة الإمام الحكيم (قدس) تقيم مجلس تأبيني بمناسبة الذكرى السنوية لرحيل زعيم الطائفة السيد محسن الحكيم (قدس)

 البرنامج الجماهيري السنوي في العراق احياءاً لذكرى استشهاد الإمام الحسين (ع)

 أسرة الإمام الحكيم (قدس سره) تقيم مجلسها السنوي في العشرة الأولى من شهر محرم الحرام

 نشاطات بعثة شهيد المحراب (قدس سره) في الديار المقدسة .. مصور

 مسجد وحسينية آل ياسين في الكاظمية المقدسة تستضيف آية الله السيد جعفر الحكيم (دام عزه) .. مصوّر




صور عشوائية




 سماحة آية الله السيد محمد علي الحكيم (قدس سره)

 حجة الإسلام السيد محمد كاظم الحكيم (قدس سره)

 الشهيد حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد رضا الحكيم (قدس سره)

 سماحة آية الله السيد محمد جعفر السيد محمد صادق الحكيم (دام عزه)

 مرجع الطائفة الإمام آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم (قدس سره)

 الخطيب حجة الإسلام السيد هادي الحكيم (رحمه الله)

 سماحة السيد عمار السيد عبد العزيز الحكيم (دام عزه)

 سماحة السيد حسين السيد علاء الدين الحكيم (دام عزه)

 الشهيد آية الله السيد عبد الصاحب الحكيم (قدس سره)

 سماحة آية الله السيد عبد المنعم السيد عبد الكريم الحكيم (دام عزه)





إحصاءات


  • الأقسام الرئيسية: 11

  • الأقسام الفرعية: 35

  • عدد المواضيع: 204

  • التاريخ: 27/11/2022 - 18:59







  • القسم الرئيسي: بانوراما.

        • القسم الفرعي: دراسات وبحوث.

              • الموضوع: دراسة تحليلية لأهم السمات المعيقة للنهضة عند العراقيين.

دراسة تحليلية لأهم السمات المعيقة للنهضة عند العراقيين

دراسة تحليلية لأهم السمات المعيقة للنهضة عند العراقيين

 

د. علي وتوت(*)

 

منذ أن حدث زلزال أبريل 2003، أثيرت أسئلةٌ لا متناهية عن الخلل الكبير الذي أظهرته الفضائيات في سلوكيات العراقيين، كان أولها انغماس عدد لا بأس منهم في عمليات سلب ونهب للمؤسسات الحكومية ودوائر الدولة والقطاع العام، وقد أظهرتهم تلك الصور والأفلام وهم يقومون بذلك، أو ما دُعي بظاهرة (الحواسم)، وهي واحدة من أسوأ ظواهر التاريخ العراقي، فيما لم يهتموا كثيراً بمقاومة قوات الاحتلال وهي تجتاح بلدهم !!. فضلاً عن أن إحصائيات وأخبار السرقات والفساد المالي الكثيرة ترسم صورة محبطة عن مستقبل العراقيين.

لكن الفضائيات نفسها أظهرت مشاهد الانتخابات التي كانت مشاركة العراقيين الكثيفة فيها رغم الإرهاب والقتل المجاني، قد أزالت التشوهات التي لحقت بسمعتهم في مشاهد (الحواسم)، كما أن مشاهد الزيارات المليونية للعتبات المقدسة ومظاهر التكافل الاجتماعي فيها ترسم صورة أخرى متفائلة.

هنا يبرز السؤال المهم حول سمات أولئك العراقيين الذين تصرفوا مرةً بهذا الشكل السلبي، ومرةً أخرى بالشكل الإيجابي، وهل العراقيون جميعاً يتصرفون وفق أسلوب واحد؟ وللإجابة عن هذا التساؤل ينبغي لنا العودة إلى مباحث الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) للحديث عن سمات مشتركة يتمتع بها معظم أفراد المجتمع أو الثقافة الواحدة، والذي يدعى (الشخصية الثقافية).

ولاشك في أن الأسئلة عن (الشخصية العراقية) تشعبت، وأن الجدل تعقد في محاولة إبراز الآثار والمتغيرات التي طرأت عليها نتيجة التراكمات التاريخية والاجتماعية التي مرت على هذا المجتمع بمختلف جماعاته وتنوعاته.

وعلى الرغم من أن محاولات كثيرة ومؤامرات تحاك، للنيل من الشخصية العراقية والتقليل من شأنها بهدف إرباك حركتها وفاعليتها وإفشالها تدريجياً، إلا أن هذه الشخصية وبرغم حجم المعاناة وزخم الاضطهاد الذي تعرضت له على مدى التاريخ، تظل محط إعجاب وإثارة لدى الكثير من المشتغلين في علم الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا الذين درسوا ظاهرة الشخصية العراقية وتقصوا منابع الاختلاف والمفارقة في تكوينها واثر العوامل الاجتماعية والأحداث السياسية وكذلك البيئية المباشرة وغير المباشرة في نظام هذه الشخصية ومحدداتها، سلوكا ومعنى وأهمية ووجوداً.

لكن ما هي الشخصية أولاً؟ وما هي أهم سماتها؟ ولماذا ترتبط الشخصية بالثقافة؟ وما هي أهم سمات الشخصية العراقية المعيقة لنهضة المجتمع؟ هذه الأسئلة وغيرها مما سنحاول أن نجيب عنه في بحثنا هذا. لذا فإن البحث في عنوانه ذاك، وموضوعاته تلك اقتضى تقسيمه إلى ثلاثة أقسام، هي: مفاهيم البحث، والشخصية في التنظيرات العلمية، والسمات الاجتماعية للشخصية العراقية المعيقة لنهضة المجتمع، وانتهى البحث أخيراً بخاتمة.

 

أولاً: تحديد المفهوم

الشخصية Personality

المصطلح في العربية أصله في (شخص)، ويعني ما تراه العين أو تبصره([1])، فيما يرجع الأصل الأوربي إلى (persona)، وهو يشير إلى القناع الذي يرتديه الممثل ليساعده على القيام بدوره.

أما اصطلاحاً فقد عرفها عالم النفس الذائع (ألبورت Alport) بأنها (التنظيم الدينامكي الداخلي للنظم النفسية الفيزيقية التي تحدد السلوك والتفكير المميز للشخص). والتعريف يشير إلى الشخصية، بوصفها تدرجاً هرمياً يبدأ من الفعل المنعكس، فالعادة، فالاتجاه، فالسمة، فالذات، ثم في النهاية الشخصية. فهو يعطي انطباعاً عن الوحدة النفسية الفيزيقية التي يؤمن بها ألبورت([2]).

أما عالم النفس الأمريكي كيرت ليفين K. Levine فقد عرفها بـ(حصيلة التوازن بين السلوك والبيئة. ويختلف سلوك الأفراد الذين يعيشون تحت مؤثرات بيئة واحدة وسبب هذا الاختلاف يرجع إلى العوامل الوراثية التي تؤثر في شخصياتهم وتجعلها متنافرة بعضها عن البعض الآخر. وهذا يعني بان الشخصية تعتمد على العوامل البيئية والوراثية في آن واحد)([3]).

وبسبب العلاقة الوثيقة بين الثقافة والشخصية الإنسانية تُدعى الأنثروبولوجيا الثقافية أيضاً بـ(الشخصية الثقافية Culture and personality). وهذا مُتـأتٍ من أن الشخصية تعبر عن الجوهر الاجتماعي الحقيقي للإنسان، إذ عرّفها أحد الأنثروبولوجيين، بأنها: (المجموعة المتكاملة من صفات الفرد العقلية والنفسية. أي المجموع الإجمالي لقدرات الفرد، العقلية ومعتقداته وعاداته، واستجاباته العاطفية المشروطة)([4]). ‏

لكنها من الناحية السوسيولوجية (أي في علم الاجتماع) تعني (مجموعة السمات التي تتميز بها جماعة اجتماعية أو ثقافة ما عن غيرها. فهي مجموعة العناصر والمميزات البايولوجية والسيكولوجية والاجتماعية التي تميز سلوك الفرد عن بقية الأفراد الآخرين، وتكتسب هذه العناصر والمميزات من قبل الفرد عن طريق الوراثة أو البيئة الاجتماعية خلال المراحل التكوينية التي يمر بها قبل تكامل وتبلور شخصيته)([5]).

‏وهكذا، يعبر مفهوم الشخصية عن الوصف الاجتماعي للإنسان، والذي يشمل الصفات التي تتكون عند الكائن البشري من خلال التفاعل مع المؤثرات البيئية، والتعامل مع أفراد المجتمع بصورة عامة. وهذا ما يعبر عنه بـ(الجوهر الاجتماعي للإنسان).

إلا أن العلماء لم يتفقوا على العناصر الأساسية التي تتركب منها الشخصية، فهناك من يقول بأن الشخصية يمكن تحليلها إلى مركبات تنعكس في الإدراك، التعلم، التأثير، الأنا السفلي والعليا، الآراء والمواقف... الخ، ولهذه المركبات فوائدها ووظائفها المهمة للفرد. وهناك من يقول بأن المركبات المذكورة يمكن تحليلها إلى عناصر اصغر منها، كما إن هذه المركبات يجب تحويلها إلى عمليات سيكولوجية متصلة الواحدة بالأخرى لأن كل عملية منها تفسر العملية الأخرى في أسلوب منطقي وموضوعي([6]).

لكن شخصية الفرد تنمو وتتطور بجوانبها المختلفة، داخل الإطار الثقافي الذي تنشأ فيه وتعيش وتتفاعل معه حتى تتكامل وتكتسب الأنماط الفكرية والسلوكية التي تسهل تكيف الفرد، وعلاقاته بمحيطه العام. ‏وليس ثمة شك في أن الثقافة مسؤولة عن جزء كبير من محتوى أية شخصية، وكذلك عن جانب التنظيم العياني للشخصية، وذلك عن طريق تشديدها على اهتمامات أو أهداف معينة.

ويكمن سر مشكلة العلاقة بين الثقافة والشخصية في السؤال الآتي: إلى أي مدى يمكن اعتبار الثقافة مسؤولة عن التنظيم المركزي للشخصيات؟ أي عن الأنماط السيكولوجية؟ أو بصيغةٍ أخرى: هل يمكن للتأثيرات الثقافية أن تنفذ إلى لبّ الشخصية وتقوم بتعديلها؟ ولذا سنعرّج على تعريف الثقافة.

فالثقافة هي الوسائل التي يلجأ إليها الإنسان لإشباع تلك الحاجات ضمن بيئته الاجتماعية. ويستطيع الإنسان بوعيه وقدرته وممارساته الاجتماعية تعلم تلك الوسائل ممن سبقه، ونقلها إلى من يلحقه. وهذه الطرق أو النظم هي ما يدعوها الأنثروبولوجيون بـ(النماذج الثقافية).

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن ضرورة الثقافة لفهم الحادثات في أي مجتمعٍ البشري، والتنبؤ بإمكانية وجودها أو حدوثها، لا تقل أهمية عن ضرورة استخدام مبدأ (الجاذبية) لفهم أحداث العالم الطبيعي وإمكانية التنبؤ بها([7]). فالثقافة تبين للناس طرق الحياة، وهي أعم مما تعلموه من بيوتهم أو مدارسهم أو محيطهم. فالثقافة جزء من نسيج كل مجتمع. فهي تصقل الطريقة التي تنفذ بها الأمور وتؤثر على فهمنا لأسباب القيام بها. وهي تشكل هويات الأفراد ونوعهم الاجتماعي (الجندر) والعلاقات فيما بينهم، إذ تحدد طريقة الحياة اليومية داخل العائلة والمجتمع بأكمله. وتؤثر الثقافة على الحاجات الفردية والتفاعلات الاجتماعية، مثلما تؤثر في الاقتصاد والسياسة([8]).

وهذا يعني أن الثقافة تقود الإنسان إلى القيم، حيث يمارس الاختيار ويعبر عن نفسه بالطريقة التي يرغبها، ومن ثمّ يتعرف إلى ذاته، ويعيد النظر في إنجازاته وسلوكياته. وعلى الرغم من ذلك، فإن أية ثقافة لا تؤلف نظاماً مغلقاً، أو قوالب جامدة يجب أن يتطابق معها سلوك أعضاء المجتمع جميعهم، فقد يختلف أفراد الثقافة الواحدة فيما يتبنّونه من قيم([9]). وبما أن الثقافة في جوهرها ظاهرة نفسية، تعيش في عقول الأفراد، ولا تجد تعبيراً عن نفسها إلا عن طريقهم، فإن الشخصية وسماتها تعبر أفضل تعبير عن الثقافة.

 

ثانياً: الشخصية في التنظيرات العلمية

لطالما شغلت نظريات الشخصية، فضلاً عن الفرضيات المتصلة بماهية تكوينها وأنماط خصائصها ومراحل نضوجها وأشكال علاقاتها، حيزاً واسعاً من اهتمام الدراسات السوسيولوجية والسيكولوجية والأنثروبولوجية، ناهيك بالطبع عن البحوث والاستقصاءات الأخرى التي لها مساس مباشر أو غير مباشر بمفهوم (الشخصية) وامتداداته كما في مجالات الثقافة والفلسفة والتاريخ والأخلاق وحتى الفن. من منطلق إنها تعد الوحدة المعيارية التي يتاح من خلالها الكشف عن طبيعة المجتمع الذي تتشكل من نسيج تفاعلاته وقياس مستوى تطور ذلك المجتمع وارتهانه باكتمال عناصر تلك الشخصية وتبلور وعيها.

لقد اختلفت مدارس علم النفس فيما بينها حول أبعاد الشخصية ومقوماتها ونموها وتطورها ووظائفها، كما تختلف كذلك فيما يتعلق بمناهج البحث وأسلوب الدراسة. على أن ابرز نظريات الشخصية وأكثرها ثراء هي التي تدين بوجودها للتحليل النفسي سواء في صورته التقليدية، أم إضافاته المحدثة، كما في دراسات الطابع وسيكولوجية الأنا، فالتحليل النفسي ينظر إلى الشخصية من خلال التبادل بين مكوناتها الثلاثة: الـ(هو) والـ(أنـا) والـ(أنـا الأعلى) كما إن دراسات الـ(أنـا) جعلت من الممكن دراسة الشخصية السوية والإحاطة بوظائفها التكيفية والدفاعية والتوافقية ([10]).

وترى (هورني([11])) أن الصفات الشخصية تتولد وتتطور ليس فقط قبل التجربة الشخصية الفردية التي تكتب بالصدفة، ولكن أيضا بواسطة الظروف الثقافية الخاصة التي نعيش تحت تأثيرها، إذ تعطي ثقلاً أكبر للقوى الاجتماعية والثقافية بدلاً من القوى الفسيولوجية كعوامل أساسية في تكوين الشخصية، وترى أن مركز الشخصية ليس الجنس، لكن الحاجة والجهود للحصول على الأمان، وأن القوى الاجتماعية في الطفولة هي التي تؤثر في نمو الشخصية والسلوك العدواني، فالعلاقة بين الطفل ووالديه هي العامل الأساس، فإذا توفرت للطفل ظروف الطفولة المناسبة فانه ينمو ويتطور ليصبح ذات شخصية متكاملة خالية من العدوان والعنف والسلوك الشاذ([12]).

وفي بحثنا عن أبعاد للشخصية الأساس Basic Personality في المجتمع العراقي ونعني بها النمط السلوكي الذي يستقطب اكبر عدد من المواصفات المشتركة إلى حد التمايز بين ثقافة وأخرى، نجد أن الشخصية العراقية قد استوعبت ثقافتها عبر عملية التنشئة الاجتماعية، والتي هي عبارة عن تجربة مستمرة.

وعلى الرغم من أن مرحلة الطفولة تعد حاسمةً في تكوين شخصية الفرد، عبر دخوله في الثقافة السائدة في وسطه الأسري والاجتماعي، إلا أن عملية التنشئة الاجتماعية لا تتوقف عند هذه المرحلة، وإنما تستمر حتى في مراحل الرشد من حياة الإنسان، فهي بهذا المعنى تجربة العمر كله، وذلك لأنه إذا كانت حياة المجتمع متغيرة، فإن على الفرد أن يتكيف مع أوضاع المجتمع باستمرار. فما دام الإنسان يتعرض لخبرات اجتماعية جديدة كل يوم فهو في حاجة إلى تعلم أنماط جديدة من التفكير والسلوك. والسلوك إنما يبنى من خلال التجربة، وليس هناك تجربة أكثر عمقاً وتحريكاً من الخطأ الذي يترتب عليه تحول الإنسان إلى السلوك السليم.

يرى بارسونز([13])، أن التنشئة الاجتماعية والضبط الاجتماعي هما أداة التغيير الأساسية التي يمكن بواسطتها تحقيق الانسجام والتناغم ما بين نظام الشخصية والأنظمة المحيطة بها (الاقتصادي والثقافي). إذ تساعد التنشئة الاجتماعية على جعل الكائن الحي ملتزماً بالمحافظة على نظامه الاجتماعي بوصفه عضواً فيه، وتكون مسؤولة أيضاً عن التأكد من التزام الشخص تجاه النظام الاجتماعي عن طريق دمج نظامه الثقافي في الشخصيات المختلفة لمساعدتهم على امتلاك قدر مشترك من القيم والمعايير والأنماط الخاصة بالنظام الاجتماعي، فبواسطة امتلاك القدر المشترك من الثقافة يستطيع الأفراد المختلفون في شخصياتهم المحافظة على النظام الاجتماعي وتحقيق توازن يساعدهم على دمج القيم والمعايير الرسمية المتفق عليها في شخصيات الأفراد المختلفين على حدوث تكامل حقيقي للسلوك في البناء الاجتماعي.

إن كلاً من الأنسـاق الفرعية الوظيفية للفعلFunctional Subsystems of Action إنما يتضمن بالمقابل أربع مكونات تتخصص وظيفياً تبعاً لمشاكل النسق كما في الترسيمة الآتية([14]):

 

ولكي تؤدي التنشئة الاجتماعية وظيفتها لا بد من أداة ضبطية قانونية قابلة للتغير تقوم على الثواب والعقاب للحيلولة دون وقوع صراع أو توتر، والتعريف بالأدوار الملقاة على عاتق أعضاء المجتمع، إذ يحقق اندماج النظام الاجتماعي مع النظام الثقافي (لغة ـ قيم ـ قوانين) الانتماء المشترك, كما أشار بارسونز إلى أن الفاعل لا يتحرك من فراغ بل إن حركته تتم وفق محددات([15]).

وعلى أية حال فإنه من المفترض أن يحظى كل كائن إنساني راشد([16])بهيئة معينة من الشخصية تكون له بمثابة المرتكز أو المنطلق الذي يستطيع من خلاله الحصول على ما به يميّز ذاته ويموضع شخصه عن الآخرين([17])، لا بالمنظور البايولوجي/العنصري الذي عولت عليه العديد من الحركات السياسية المتطرفة والعقائد الإيديولوجية المتعصبة لمآرب ودواعي لم تعد غامضة أو خافية على أحد، وإنما بالمنظور السوسيولوجي العام، بحيث يتاح له (أي الكائن الإنساني) إدراك تفاصيل بيئته الاجتماعية وفهم مغزى أدواره الوظيفية وتشخيص أطر تراتباته الطبقية، مما يعبّر، في المحصلة النهائية، عن جملة خصائصه القومية وأصوله التكوينية واستبطاناته النفسية وخلفياته التاريخية ومرجعياته الرمزية. باختصار شديد تفصح عن نموذج فرادته وأسلوب تميّزه وخصوصية هويته.

ولذا اعتقد أستاذ علم الاجتماع والباحث الفرنسي (غي روشيه G. Rocheat) أن أي ((حضارة كالحضارة الأمريكية هي من غير شك بمثابة بيئة اجتماعية، ولا يكاد يكون ثمة ضرورة للإشارة بأن كل شخص يترعرع فيها يحمل بصماتها. وان أي بلد، رغم انه جزء من حضارة معينة، يظهر هو أيضاً ملامح وسمات خصوصية تميّزه عن غيره من البلدان، لدرجة انه من السهولة أن نفرق، منذ النظرة الأولى أحياناً،ايطالياً عن فرنسي عن أمريكي. وان الغربيين يجدون صعوبة في لمس الفرق بين صيني وياباني وكوري وفيتنامي، الذين هم جميعهم بالنسبة إليهم (آسيويون). غير أن ذلك ليس سوى أثر من آثار جهلهم للسمات القومية الخاصة لكل بلد من البلاد الشرقية والتي تظهر حتى في المركب الفيزيائي للأفراد))([18]).

إن المؤثرات التي تحيط بالأفراد، وتصنع بالنتيجة شخصيتهم الاجتماعية، التي ستترجم في نهاية الأمر هويتهم الاجتماعية وولائهم الطائفي أو العرقي. لكن من جهة أخرى ألا يمكن عدّ جميع أفراد المجتمع بإرادة ناقصة؟ ذلك أن المجتمع عبارة عن كيان مبني على أساس عقد يقضي بتخلي الفرد عن جزء من حريته لصالح حرية الجماعة. وكلما كان الفرد اجتماعياً أكثر، كان بالمقابل أكثر تفريطاً بحريته لصالح حرية الآخرين، أو بكلمة أدق، إزاء تدخل الآخرين بحريته، وعندما يوصف فرد ما، بأنه غير اجتماعي، فإن المقصود من وراء ذلك بأنه لا ينضبط وفق مقررات الجماعة، ويتصرف على هواه.

إن قبول الفرد بقانون المجتمع الذي يعيش فيه يساوي التخلي عن جزء كبير من حريته. فعّاليات الفرد داخل إطار الجماعة لا تنبع عن إرادته بالمعنى الحرفي للإرادة. بل تشترك مع إرادته فيها إرادة المجموعة، وهذا الموضوع يبدأ من أدق خصوصيات الإنسان ولا ينتهي عند أي من عموميات المجتمع. اختيار الملابس، دخول أو عدم دخول المدرسة، طراز بناء البيت، اختيار شريك الحياة... وهكذا. حتى الإنسان الذي يتصور أنه يقود دفَّة حياته بحرية كاملة، لا يفعل ذلك بالكامل، فعملية قيادة الدفة تابعة لشخصيته، وهذه الشخصية صنعت من قبل الجماعة ومؤسسات الجماعة وعقائد الجماعة وضبط الجماعة... الخ. فالثقافة هي تجميع لقوالب يمكن أن تستوعب العقل الإنساني، لذا لا بد من اختبارها واقعياً عن طريق المجتمع([19])، وكما في الترسيمة (2).

ففي المجتمع العراقي، تكون العلاقة بين الثقافة والشخصية بحيث يدخل المجتمع نفسه وسطاً بينهما، وهي علاقة هيمنة وليس علاقة تعاقد. وفي ضوء ذلك لا يمكن الإفصاح عن أي نمط من أنماط الشخصية الاجتماعية لهذا المجتمع أو ذاك، ما لم يشر الى العوامل الذاتية والشروط الموضوعية التي يتحدد بموجبها ترتيب الصفات الخاصة أو السمات الفريدة التي تفصل بين هذه الشخصية أو تلك إلا على سبيل البحث النظري والافتراض المجرد.

يأتي (التراث) أو (التاريخ) كأبرز العوامل فاعلية وتأثيراً في تشكيل تلك السمات فهو يدخل في صياغة نظام الذاكرة الجمعية للأفراد والجماعات.

 

ثالثاً: سمات الشخصية العراقية

لعل أهم ما يميز العراق عمقه التاريخي الذي يتجاوز سبعة آلاف عام، وقد تعاقبت فيه الحضارات السومرية والأكدية والبابلية والآشورية والإسلامية العباسية التي زخرت كلها بالعطاء الحضاري الغزير والمبتكر، وما زال العالم المعاصر يعزو جزءا من تقدمه ونمائه إلى الحضارة العراقية القديمة والوسيطة، لكن تلك الصفحة الزاهرة من تاريخ العراق قد طويت، وأعقبتها موجات عاتية من الاحتلال التي اندرست وتوارت فيها معالم الشموخ الحضاري ليصبح العراق دولة تعاني من الأمية والفقر ولينضم إلى ركب البلدان الفقيرة. انه (نكوص) قلّ مثيله في تاريخ الشعوب والأمم، ولعل من أعجب مفارقات هذا الارتداد عودة الاحتلال الأجنبي، بعد أن عاش العراق حياة حضارات مستقلة عقوداً طويلة([20]).

في المعنى التاريخي، تحتاج الطبيعة المتطرفة والقاسية لجغرافيا العراق إلى استنفار عقل الإنسان وعضلاته لترويضها([21]). فالموقع الاستثنائي للعراق جعل منه أشبه ما يكون بواحة مفتوحة وسط بوادي وهضاب تعج بمختلف الشعوب المتنافسة، جعله منذ فجر التاريخ موطناً لاستقبال الهجرات والاجتياحات الخارجية التي سرعان ما تذوب فيه وتمتزج بسكانه وتتبنى حضارته وتغنيها. لهذا صحت عن العراق تماما تلك المقولة التي وصفته بـ (بمقبرة البدو) ليس بمعنى موتهم البدني، بل موتهم الاجتماعي الثقافي. إذ ما أن يبلغوا العراق حتى يتحول هؤلاء الرعاة الرحل إلى أناس مستقرين إما كمزارعين أو كمدنيين([22]). لكن لهذه التقاطعات الحضرية البدوية أثرها في خلق ظاهرة ازدواج الشخصية عند العراقيين، كما يشير الوردي، في تنظيراته المهمة عن الشخصية العراقية. 

وأيضاً لكون العراق البقعة التي شهدت حروبـاً داميـة عديدة بين العدوين اللدودين (العثمانيين والفرس) ناهيك عن الغزوات العديدة التي تعرضت لها، وما تركته تلك الحروب والغزوات من خراب مستديم وجرح ثقافي مزمن تمثل في تعزيز القيم العشائرية والطائفية، فالصراع الطائفي (السني الشيعي) في العراق ليس ناتجاً من فراغ.

وهنا لنحاول أن نستذكر أطروحة المؤرخ والمفكر الشهير أرنولد توينبي (التحدي والاستجابة)([23])، فالبيئة الطبيعية في العراق وفقاً لظروفها أوجدت تحدياً صعباً على إنسان هذه الأرض، فهجمات البدو المتكررة من الشرق والغرب، أوجدت استجابة (حضرية) قادرة على مجابهة تعصب وتخلف هذه البداوات.

لقد عملت الأحداث التي مرَّ بها المجتمع في العراق على إعادة صياغة شخصية الفرد العراقي بخصائص اجتماعية ونفسية معينة، لكنها ليست بعيدة عن مؤثرات التراكم التاريخي والجغرافي لهذه الشخصية. ومما يعقد دراسة الشخصية العراقية تقلب أوضاع وظروف الحياة عبر الستة عقود الماضية. وواضح أن عدم الاستقرار يعني وقتية الأحداث وتعذر انغراسها في الشخصية الوطنية على المستويين النفسي والثقافي، ويتضح ذلك من التقلبات الإيديولوجية العابرة التي صاحبت الأحداث ولم تتجذر في الشخصية، لكن العشائرية والمذهبية والثقافية المجتمعية التقليدية، كانت من أهم ثوابت هذه الشخصية على الرغم من كثرة الشعارات الفكرية المستوردة التي أتت وتلاشت.

إنّ تفكيك الشخصية العراقية في سياق واقعها الثقافي يعد بإظهار سماتها بعامة، وتلك المعيقة لنهضة المجتمع على وجه التحديد. إن وحدة وتكامل الثقافة يجعل عزل أهم قيمها ومعاييرها التي تشكل الشخصية فكرياً وعاطفياً وأخلاقياً عملية معقدة. غير أن مهمة الفرز النظري تستدعي اختبار تباين قوة القيم من حيث قوة تحفيزها وتوجيهها لسلوك الفرد العراقي في سياقات الحياة المحدودة.

ويمكن لنا أن نضرب مثلاً بـ(الشرف)، فهو يعدّ قيمة مركزية تتجلى أهميتها في قوة حرص الفرد على شرفه حتى انه يقسم بشرفه كضمانة قصوى لدعم مصداقيته في الالتزام. وهناك تكرار عال لقيم عراقية أخرى تهيمن ذهنياً وأخلاقياً على الشخصية العراقية ومنها الشجاعة والكرم والنخوة والصدق والوفاء والإيثار وغيرها، وعلى الرغم من بساطة استعراض هذه القيم وغيرها إلا أن الصعوبة تكمن في تحليل مضامين كل منها يصاحب ذلك من مؤشرات إيديولوجية وعاطفية وأخلاقية وروحية وذوقية وجمالية([24]).

أما المؤشرات النفسية المستخلصة من تفاعلات الشخصية العراقية فتنبع من سياقات ثقافية واجتماعية لا ينبغي إغفالها، وهكذا يجب أن نوضح الترابط بين العوامل النفسية الكامنة في الشخصية العراقية والعوامل الثقافية والاجتماعية.

إن شخصية الفرد العراقي لم تحظ بدراسات كثيرة معمقة، على الرغم من أنها إحدى الشخصيات البشرية القليلة التي خُصت بالملاحظة وجرى تصنيفها على أنها شخصية خلافية، وتشكل هذه الورقة محاولة لاستقراء بعض السمات الثقافية والسلوكية للشخصية العراقية التي تمثل معيقات لفعل النهضة في المجتمع. وهي:

(1) شخصية ازدواجية

إن شيوع فكرة أو نظرية (ازدواج الشخصية العراقية)، تعود لشيخنا ومؤسس السوسيولوجيا (علم الاجتماع) في العراق الأستاذ الكبير (د. علي الوردي)، فقد كتب عن (طبيعة المجتمع العراقي) في ستينات القرن الماضي، محاولاً تبين الانتقال الثقافي التي عاشته الشخصية العراقية منذ بدايات تشكلها حتى نهاية الاحتلال العثماني والعقود الأولى للدولة العراقية الحديثة. وكانت لغته العلمية البسيطة وطريقته السهلة في الإقناع، قد أسهمت في انتشار أفكاره وعدّها بمنزلة المسلمات، وأولها (ازدواج الشخصية).

  ففي ( لمحاتـه([25])) الكبيرة الذائعة، وفي دراسته المهمة عن طبيعة المجتمع في العراق([26])، ظل الصراع بين البداوة والحضارة في مجتمع العراق، هو الهاجس الأكبر لمؤسس السوسيولوجيا (علم الاجتماع) في العراق الأستاذ الكبير (د. علي الوردي). فهو يشير إلى أنه:

خلال دراستي للمجتمع العراقي وجدت فيه ظاهرةً اجتماعية كدت ألمحها فيه أينما توجهت في نواحيه المختلفة عبر الزمان والمكان، وهي التي أسميتها بظاهرة الصراع بين البداوة والحضارة. لقد أجمع علماء الآثار أن العراق كان مهبط حضارة تعد من أقدم الحضارات في العالم... وظلت الحضارة تراود العراق حيناً بعد حين. وقد مر عهد، أبان تأسيس الدولة العباسية، أصبح العراق فيه مركز الحضارة العالمية، حتى صارت عاصمته بغداد بودقةً اجتماعية ضخمة، تذوب فيها خلاصة ما أبدعه البشر من تراث حضاري حتى ذلك الحين.

ونجد العراق من الناحية الأخرى واقعاً على حافة منبع فياض من منابع البداوة، هو منبع الجزيرة العربية. فكان العراق منذ بداية تاريخه حتى يومنا هذا يتلقى الموجات البدوية واحدةً تلو الأخرى. فكان بعض تلك الموجات يأتيه عن طريق الفتح العسكري، والبعض الآخر منها يأتيه عن طريق التسلل التدريجي. وكلا هذين النوعين من الموجات لابد أن يؤثر في المجتمع العراقي، قليلاً أو كثيراً، فتنتشر فيه قيم البدوية وتحاول التغلغل في مختلف فئاته وطبقاته([27]).

ولذا يبدأ باستنتاجه المهم:

هنا نجد أن الشعب العراقي واقعاً بين نظامين متناقضين من القيم الاجتماعية: قيم البداوة الآتية إليه من الصحراء المجاورة، وقيم الحضارة المنبعثة من تراثه الحضاري القديم. المتوقع في مثل هذه الحالة أن يعاني الشعب صراعاً اجتماعياً ونفسياً على توالي الأجيال([28]).

  وفي ظنه أن هذا الصراع هو العامل الذي قاد إلى نشوء الظاهرتين اللتين تتسببان بانكسارات المجتمع وانجراحاته، واللتين أكمل بهما الثلاثية النظرية لأطروحته حول المجتمع (وهما ازدواج الشخصية والتناشز الاجتماعي). وعلى الرغم من أن كل واحدة من الفرضيات الثلاث في تلك الأطروحة تعود في أصلها العلمي إلى أطروحة سبق أن طرحها أحد المفكرين، كما يعي ذلك المختصون في السوسيولوجيا([29])، إلى أن الأستاذ الوردي عمل جهده ليزاوج بين تلك الأطروحات التنظيرية للخروج منها بآلية لتفكيك إشكالية المجتمع في العراق، وعلاقته بالدولة، متصوراً أن هذه الأخيرة لا تنشأ إلا في الحضر فيقول في ذلك:

إن الحكومة، أو الدولة بمعناها الأعّم، لا تنشأ عادة إلا في الحضارة. فمن النادر أن نجد دولة تنشأ في الحياة البدوية أو البدائية. فالدولة لا تنشأ إلا في المجتمع الذي ينتج أكثر مما يستهلك. فالدولة تقوم على جباية الضرائب عادة. والمجتمع لا يستطيع أن يدفع هذه الضرائب إلا إذا كان إنتاجه الاقتصادي أكثر من حاجته المعاشية. وهذا أمر لا يتم إلا في الحضارة حيث يكون الإنتاج وفيراً ومنظماً. ومن الصعب جداً أن تظهر الدولة في الصحراء... إذ أن معدل الإنتاج فيها، يكاد لا يكفي لسكانها المتزايدين([30]).

وبهذا الصدد يمكن تلخيص فكرة الوردي الأساسية بالقول أن الشخصية العراقية مصابة بالازدواج لأن قيم البداوة والحضارة قد ازدوجتا في العراق منذ أقدم العصور ولا تزال تسببان تنازعاً في شخصياتنا حتى اليوم.

ويضيف الوردي إلى العامل السابق عوامل أخرى مساعدة ومكملة، قديمة وحديثة، يعززها بأمثلة يلتقطها من عهود وأزمان مختلفة، فمن العصر العباسي يشير إلى الانقسام بين العقلية الراقية، غير العربية في الغالب، والممارسة الحياتية اليومية، وما رافقها من انفصال بين العقل والحياة، بين المثالية الزاهدة الخاضعة أو (المثالية الدينية) والنزعة الدنيوية وما يصاحبها من ظهور الشخص (غضوباً حقوداً) و(غضوباً سادياً) إذا واجه ضعيفاً، فيما ينقلب طيعاً جباناً إذا ما واجه من هو أقوى منه !!.

ومن مظاهر ازدواج الشخصية (أن حماسة العراقيين) كنار الحلفاء لا تكاد تلتهب حتى تخمد، تلتهب مع المثل وتخمد في الواقع، والميل إلى الزهد حتى الخضوع والتطرف في الحقد والغضب وما يرافقهما في (تمجيد للقوي) أو نزوع سادي في مواجهة الضعيف([31]).

مما لا شك فيه أن آراء الوردي، تحمل قيمة كبيرة من الناحية البحثية، لكنها لم تدقق جيدا، أو لنقل، لم يعمل الباحثون اللاحقون على إثرائها، فنظرية صِدام قيم البداوة والحضارة، التي استندت في الأساس على العامل البيئي، وما رافقه من مدلولات اجتماعية: المجتمع الزراعي والمجتمع الصحراوي، لها مركز الثقل في بناء فكرة ازدواج الشخصية العراقية وقد وجد الوردي في هذا التفسير أو الاكتشاف، إذا صح لنا أن ندعوه كذلك، حلاً مكيناً اخفق الآخرون في الوصول إليه. ويمكن أن نؤكد أن نقد البعض لأطروحة الوردي في ازدواج الشخصية لا يعززه دليل علمي، بل الأجدى تأكيد هذه الرؤية الناتجة عن قراءة دقيقة، مثلما يمكن إثراؤها بالملاحظات الميدانية المستقاة من وسائل جمع المعلومات (كالإستبانة Questionnaire أو المقابلة مثلاً).

وهذه السمة تستجلب بالتأكيد سمات مرادفة أخرى، تصب جميعها في خانة معوقات النهضة. فالشخصية العراقية مترددة، إذ أن الطبيعة قد زرعت في نفس العراقي القديم والحديث على حد سواء خوفاً وقلقاً شديدين، في نفس الوقت الذي فُرض عليه أن يكون متّصفاً بالشجاعة والجسارة والمعاندة. فقراراته مهزوزة ومضطربة بالازدواجية، وتبلورها الثنائية المتنافرة: الخواء الصارخ، جنباً إلى جنب مع الشعور المزيف بالامتلاء الروحي، وعظمة الذات !!.

كما أن هناك قدراً ملحوظاً من التسرع في صدور الأحكام التقويمية عن الفرد العراقي، فهو غالباً ما يصدر قرارات آنية، لا تثبت قليلاً أو كثيراً، وتجنح نحو التطرف، وهكذا قد يتقلب الحكم على الفرد نفسه بين المدح لبعض الوقت والذم في وقت لاحق، وقد عززت هذه العوامل حالة (التضاد العاطفي) التي حكمت البناء النفسي للشخصية العراقية.  

(2) شخصية متمردة

وقد شاعت هذه السمة أيضاً بوساطة شيخنا الجليل د. الوردي، إذ أكد الوردي أنه لا يسع المتتبع لتاريخ هذه الحضارة إلا أن يقدر ما بذله سكان العراق القدماء من جهود جبارة للسيطرة على نهرين من اشد انهار الدنيا عنفاً. لذلك فالشخصية المصرية، أقل تطرفاً من الشخصية العراقية، بل المجتمع المصري عموماً هو أقل تطرفاً من المجتمع في العراق([32]).

لكن الوردي لم يفعل سوى تعزيز الرأي الذي أطلقه أبو عثمان الجاحظ في كتابه (البيان والتبيين) عن الطبيعة التمردية للشخصية العراقية وقلة طاعتها لأولي الأمر. إذ كان الجاحظ قد أشار إلى نباهة الفرد العراقي وفطنته وصعوبة ترويضه، فهو لا يروَّض، بل يروِّض، فالجاحظ يؤكد من هذه الناحية أن:

((العلة في عصيان أهل العراق على الأمراء، وطاعة أهل الشام أن أهل العراق أهل نظر وذوو فطن ثاقبة. ومع الفطنة والنظر يكون التنقيب والبحث. ومع التنقيب والبحث يكون الطعن والقدح والترجيح بين الرجال والتمييز بين الرؤساء وإظهار عيوب الأمراء. وأهل الشام ذوو بلادة وتقليد وجمود على رأي واحد لا يرون النظر ولا يسألون عن مغيب الأحوال))([33]).

 واضح أن الجاحظ، مثلما يشير أحد الباحثين، لا يتهم أهل العراق، بأنهم دمويون، تمكن منهم مرض العنف، وجعلهم أقرب إلى الوحوش الكاسرة، بل يحاول الإجابة عن سؤال حقيقي حول ظاهرة عراقية تاريخية، وهي ظاهرة تكرار نشوب الثورات والانتفاضات وحالات العصيان ضد الدولة المرموز إليها بـ (الأمراء). وفي تفسيره السالف، يدحض الجاحظ ـ ضمنياً ـ اتهاماً غوغائياً ذائعاً جداً بأن أهل العراق هم (أهل الشـقاق والنفـاق !!)([34]).

لأنها تحتوي على تناقض تام هو الآتي: هل كان أهل العراق سينشقون ويحاربون الدول الظالمة ويقدمون سيولاً من الدماء لو كانوا فعلاً منافقين كما وصفهم البعض؟ بمعنى: إذا كان المقصود أنهم أهل شقاق ونقد وتنقيب وتحكيم عقل وفطنة فالجواب نعم، أما أن يكونوا أهل نفاق ومراء ودهان فلا، إذ كيف يمكن جمع النقيضين (النفاق الاستسلامي والشقاق الثوري) في أقنوم واحد؟([35])

يؤكد أحد الباحثين الثقاة أنه حينما يقوم المصريون وباقي العرب بوصف العراقيين فإنهم يقولون إنهم: أهل شقاق ونفاق، وأهل ثورات ولا يناسبهم سوى الحجاج بن يوسف الثقفي، ودكتاتور كـ (صدام حسين)، لكن هل العراقيون تقاتلوا في حرب الجمل بالبصرة أم الحرب كانت بين الفاتحين أنفسهم من القبائل العربية، وهل الحجاج وزياد بن أبيه وخالد بن عبد القسري وغيرهم من الحكام الدمويين كانوا عراقيين؟ ومَنْ اغتال (علي بن أبي طالب رضي الله عنه)؟، ومَنْ ذبح (الحسين بن علي رضي الله عنهما)؟، هل عرب العراق، من سكنة الحيرة والأنبار قاموا بهذه الأفعال الشنيعة، ولطخوا وجه التاريخ بالدم؟ أو العرب القادمون مع الفتح من قبائل مذحج وربيعة؟([36])

إن تكرار غزو العراق من قوى أجنبية (لخيراته وموقعه الاستراتيجي) ولّد لدى الفرد العراقي حالة نفسية، تتمثل بـ(كراهية) العراقي للحكومة وتعمّق الهوة النفسية بينهما، الناجمة عن اعتقاده بأن أية حكومة تتولى السلطة لابد أن تكون مسنودة من قوة أجنبية، وأنها تخدم مصالح الأجنبي أكثر مما تخدم مصالحه، الأمر الذي أدى إلى أن تكون نظرة العراقي للأمور في حال يشبه فيه حصان العربة: النظر باتجاه واحد هو الخلاف مع السلطة والعمل على إسقاطها.

إن ما يحدث اليوم من عصيان على السلطة المنتخبة في كل مكانٍ من العراق يعبر عن هذا التمرد الذي يستشري في الشخصية العراقية، وهو تمرد يبدأ مع السلطة الرسمية ولا ينتهي مع سلطة الأب أو حتى رجل الدين، فمراجع الدين الكبار يعانون أيضاً من خروج الأتباع على سلطاتهم وفتاواهم.

إن مفهوم التخطيط ينبثق أصلا من التراث الثقافي والاستعداد النفسي للمواطنين، وكذلك التنمية التي لا مجال لتفعيلها بدون ذلك الاستعداد، ولما كانت أسس هذه التنمية غير موجودة في الثقافة العراقية التي تميل إلى التمرد بدل التعاون، وإلى التشاؤم بدل التفاؤل، وإلى اللاأبالية بدل الاهتمام، وإلى الكسل بدل الجد والعمل الدؤوب، فلا شك في أن البلد سيبقى غارقاً في أزماته الاقتصادية والثقافية والسياسية، ولن يجد السبيل إلى النهضة المفترضة.

(3) شخصية عشائرية

لقد فرضت إدارة الاحتلال الأمريكي للعراق، مع سيطرتها العسكرية، رؤيتها لإعادة بناء الواقع العراقي، فنظرت إلى الاجتماع السياسي في العراق على أساس أنه اجتماع (طائفي/اثني)، متجاوزاً الجماعات الاجتماعية الأخرى، ومتجاوزاً التواشج بين التكوينات الاجتماعية المتنوعة، والذي سعت إليه الدولة العراقية الراحلة لبناء مجتمع متحضر يتجاوز التفتت (الطائفي/الاثني) و(الريفي/الحضري)، وبخاصة في عقودها الأولى. لكن المحاصصة الطائفية/الاثنية، التي قامت عليها السلطة في العراق المحتل، لم تعتمد العشيرة (بشكل رسمي) على الرغم من اعتمادها تكوينات تقليدية هي (الطائفة والاثنية). هذا من جانب.

ومن جانبٍ آخر، فإنه ومنذ الاحتلال الأمريكي للعراق تكاد معظم التنظيمات السياسية الفاعلة في السلطة الديمقراطية الفتية، تمارس دورها وفقاً لثقافة العشيرة، وسواء كانت هذه التنظيمات دينية/طائفية، أم اثنية، أو حتى ليبرالية، فإن السمة العشائرية تكاد تطغى عليها، إذ أنها استوحت ثوابتها عن السلطة أبوياً، وفق مبدأ توريث السلطة في العائلة والعشيرة.أما في المجتمع، فإن العشيرة ما زالت وحدة قائمة لها شخصيتها المعنوية والاجتماعية سواءً في الريف العراقي أم حتى في المدينة التي تريّفت بشكلٍ واسع الآن، وذلك بسبب عدم انتقال البلاد إلى مستوى من التحديث الصناعي يؤهلها إلى تجاوز التجمعات القبلية والعشائرية. ويتمثل التأثير الفاعل لجماعة العشيرة ـ ومن ثم القبيلة ـ بسؤالٍ شائع بشكل لافت في المجتمع العراقي العربي ـ على الأقل ـ لا بد أن معظم العراقيين يعرفونه: (- أنت من يا عمام؟)، ومعناه أنت من أي عشير؟ وكأن الانتماء للعراق أو لمدنه وأقضيته ليس بكافٍ، ولم ينه حالة البداوة الراسخة في الثقافة العراقية.

لكن، في حمأة الزلزال الذي أحدثه الاحتلال الأمريكي للعراق، راحت العشائر تحاول تلمس دورٍ سياسي في الديمقراطية العراقية. إذ أمام حالة تنامي نفوذ العشائر الاجتماعي وازدياد ثقلها السياسي، وفي ظل وجود (اتحادات) و(لجان) لرؤساء العشائر تنضوي تحت تنظيمات المجتمع (المدني) التي تأسست حديثاً، أصبح لزاماً على الدولة العراقية أن تتعامل مع هذا الواقع، وبشكل براغماتي، وذلك على الرغم من أنه يذكّر دائماً بضعف دولة المؤسسات التي يُراد بناؤها. إذ يبدو توجه الدولة في هذه المرحلة، إلى محاولة ترسيخ السمة العشائرية للجماعات الاجتماعية بعيداً عن دولة المؤسسات ومجتمع القانون([37]).

إذ تشيع في مجتمع العراق اليوم (ثقافة عشائرية) تطغى في سماتها على سلوكيات الأفراد وقناعاتهم، بل حتى جماعاتهم الاجتماعية (سياسية كانت أم غير ذلك). في مقابل انحسار دور (العشيرة) كتنظيم فاعل في العراق، وتقلص دور وسلطة شيخ العشيرة، حتى على أفراد العشيرة أنفسهم. فمن الملاحظ أن الفرد العراقي مازال يتجاوب مع الأنغام العشائرية التي تعزف على أوتار الرجولة والشرف والشجاعة والنسب، لكنه يميل عفوياً إلى الاستقلال والحرية الفردية وما يقترن بهما من تحدث ووعي حضري رافض لتبعية التقاليد القديمة، ويبدو أن معادلة التأرجح أو الازدواجية بين العشيرة والمدينة ظلت مهملة ولم تجتذب الباحثين العراقيين، ربما بسبب تعقيداتها والتواءاتها الكامنة التي لا بد من تسليط الضوء عليها وتفكيك خفاياها.

إن بروز ظاهرة العشيرة من جديد، كناية عن فشل مزدوج للدولة العراقية. إذ يعطي دليلاً على فشل الدولة الراحلة في خلق وتشكيل الهوية الوطنية الواحدة، وهو دليلٌ على فشل الدولة المشكلة حديثاً في القيام بأول واجباتها وهو حفظ أمن أفراد المجتمع، فلجأ الأفراد إلى جماعاتهم المرجعية كالعشيرة والطائفة لطلب الأمن والحماية.

إذ ينبغي باستمرار تأكيد أن الانتماء القبلي يعبر عن الانتماء القرابي الذي يتجاوز معايير الكفاءة والعقلانية، وهو يسود في ظل ضعف سيادة القانون. لكن مع قوة الدولة وسيادة القانون وظهور مفهوم الوطن أصبح من الضروري الاعتماد على مفاهيم جديدة للانتماء، وكانت المواطنة أهم تلك المفاهيم التي يجب أن يدور حولها البعد السياسي. فالخطاب العشائري للدولة غير قادر في أي زمن على تجميع القوى في إطارها الوطني للنهوض بهذا الوطن ومجتمعه، وذلك ببساطة لأن مفهوم (الوطن) يلغي مفهوم (العشيرة)، ومفهوم (العشيرة) يلغي مفهوم (الوطن)، ومزج الاثنين في بوتقةٍ واحدة لا يمكن أن يؤدي إلى أي نهضة.

وهذه السمة تستجلب بالتأكيد سمات مرادفة أخرى، تصب جميعها في خانة معوقات النهضة. الشخصية العراقية مترددة، إذ أن فعل الطبيعة قد زرع في نفس العراقي القديم والحديث على حد سواء خوفاً وقلقاً شديدين، في نفس الوقت الذي فرض عليه أن يكون جسوراً عنيداً غير هياب. وقد عززت هذه العوامل حالة (التضاد العاطفي) التي حكمت البناء النفسي للشخصية العراقية.

وهذه السمة تستجلب بالتأكيد سمات مرادفة أخرى، تصب جميعها في خانة معوقات النهضة. فالشخصية العراقية محافظة، إذ إنها تقليدية، والتي تتضح من انتشار هذا الكم الكبير من الأوهام والخزعبلات بين العراقيين، وبخاصة في الوسط والجنوب العراقي، فمرةً يظهر الإمام الحجة (عج)، ومرةً يظهر السفياني وغيرها من الظواهر التي تعبر عن الإحباط (وهو واحدة من آليات الدفاع النفسي) حيث لا أمل في أي شيء. كما أنها لا تستوعب الجديد بسهولة وتعارض التغير دائماً، مما لا يساعد في عملية النهوض التي تحتاج إلى الجرأة والمبادأة و... ما إلى ذلك من سمات.

(4) شخصية عنيفة

أما العنف فقد أصبح سمةً طاغية للشخصية العراقية، والشواهد لا تحصى على سيادة لغة العنف بمقابل لغة السلم والتسامح التي تسود مجتمعات أخرى مشابهة للتنوع الاجتماعي في العراق. فلا أحد يعرف لماذا يشيع كل هذا الكم من العنف في الثقافة العراقية؟ وهل أن الشخصية العراقية محملة بهذا العنف قبلياً بفعل عوامل بايولوجية، أم بعدياً بفعل عوامل ثقافية محددة سوف نقوم بتحليل بعض من التنظيرات بهذا الشأن.

يذكر إن السؤال الأساس الذي يحدد مدى الاعتدائية في السلوك الإنساني يمكن أن يوضع بالشكل الآتي: هل الميل للنزاع السلوكي الاجتماعي متأصل في طبيعتنا كأعضاء في النوع الإنساني؟ وعلى الرغم من أن مثل هذا السؤال لا يمكن أن يكون جوابه بالإثبات أو النفي. ومن المفروض أن العنف يمثل استثناءاً في حياة الإنسان الكائن الاجتماعي وهو يحدث عندما لا تستجيب المؤسسة الاجتماعية لمصالحه التي يراها حقوقاً مشروعة لنفسه، وعندما لا يستطيع أن يعبر عن ذاته ورأيه وحقوقه، وكما يقول اريك فروم فإن العنف والتدمير يمثلان الناتج التلقائي والحتمي للشعور بالإحباط الذي ينشأ عن الصدمة الناتجة عن خذلان الآمال والتطلعات لسبب أو آخر.

إن جوهر إحدى أهم المشاكل السوسيولوجية الرئيسية هي معرفة سياق التثقيف على نمو الفرد وتطور شخصيته وميوله التعاونية والعدوانية. فإذا كانت التنشئة الاجتماعية والتربوية تميل في مجتمع ما، إلى تشجيع النزعة التعاونية، فإن سلوك الفرد يصبح في اغلب الاحتمالات، اجتماعياً ـ تعاونياً وليس أنانياً، ولكن إذا طغت النزعة العدوانية على سلوك أفراد المجتمع، فمن الممكن أن يسلك الفرد أو يميل إلى أن يسلك سلوكاً عدوانياً أو أنانياً يتعارض مع القيم الاجتماعية العامة، ويمارس أساليب مباشرة وغير مباشرة ووفق آليات ورموز وحيل متنوعة يبرر بها الفرد وهم السيطرة على الآخرين.

والحال، أن التنشئة الاجتماعية والتربية والبيئة والتراث الثقافي وكذلك العلاقات الاجتماعية ـ السياسية، تلعب دوراً هاماً في جعل بعض الأفراد أو الشعوب أكثر ميلاً إلى استخدام العنف من غيرهم، مع أن المجتمعات البشرية القديمة والحديثة تستخدم العنف ولكن بأشكال ودرجات متباينة. ففي بعض المجتمعات ترتفع معدلات الجريمة والجنوح، كما في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي أخرى تنخفض هذه المعدلات إلى درجة ملحوظة، كما في السويد. ويعود ذلك إلى نوعية الثقافة السائدة وكذلك إلى مؤسسات الضبط الاجتماعي كالمؤسسات الدينية والقانونية والاجتماعية.

لكن تأثير البيئة الطبيعية على الشخصية الاجتماعية العراقية أخذ منحىً آخر في سمات التطرف والعنف الذي تميل إليها هذه الشخصية، إذ إن طبيعةٍ متطرفة قاسيةٍ كهذه جعلت من أستاذنا الكبير د. علي الوردي يعزو تطرف العراقيين في سلوكياتهم إلى تطرف البيئة أيضاً، فالمناخ حار جفاف صيفاً وبارد قارس شتاءً([38]).

إن التطرف في المزاج هو بالأصل رد فعلٍ لتطرف المناخ، ودرجات الحرارة العالية التي تذهب بالعراقيين إلى أقصى حدود الجزع من النفس (في معظم الأحيان) والآخر. ولولا وفرة المياه من جهةٍ أخرى لأصبح مزاج الشخصية العراقية لا يُطاق ! فهذا الشعور بـ (المازوخية) ليس يظهر عبثاً في أغانينا أو أشعارنا. لكن اندفاعات الشخصية العراقية في بعض سلوكياتها متطرف جداً، وهو ربما متأتٍ بفعل حرارة الصيف القاتلة التي تقلب الأمزجة. ألم تقم معظم الانقلابات السياسية قديمها وحديثها في أشهر الصيف من كل عام (ثورة العشرين يونيو (حزيران) 1920، حركة مايس (آيار) 1941، انقلاب 14 يوليو (تموز) 1958، انقلاب يوليو (تموز) 1968).

فالعراقي وفقاً لرؤية الأستاذ الوردي، في حالة من الاستنفار والتربص الدائمة، وهو شكّاك بكل سلطة جراء ما نزل بالعراقيين من ظلم عبر التاريخ. وهو متطرف مبالغ في تطرفه، نتيجة عهود الحرمان الطويلة وما تنعكس هذه الظاهرة فيه من تطرف في الكراهية والحب، فإذا أحب العراقي عبد وإذا كره داس بقدميه علي الشخوص والمواضيع نفسها. كما إن العقل السياسي العراقي هو بطبيعته عقل شرس الطباع نزق المزاج متقلب الأهواء، تمخض عما هو عليه من خصائص وسمات كمحصلة لشخصية الإنسان العراقي المجبولة على العنف والمسكونة بهاجس العدوان.

وعلى الرغم من أن بعض الباحثين يؤكد، وبناءً على أطروحات منظرين وخبراء وباحثين في الحضارات الرافدينية([39])، أن الآراء السابقة، في الشخصية العراقية، وعقلها السياسي، لا يعدو أن تكون اعتقادات مجانبة للصواب، وتجافي الحقيقة، ليس هذا فحسب، وإنما أيضاً تُخالف المنطق وتعارض الواقع([40]).

فالعنف الذي يتلبس الشخصية العراقية ليس بالمشكلة العادية التي يمكن المرور من جانبها بسهولة، لان العنف بطبيعته ليس مجرد سلوك استثنائي بل إنه قد يتحول إلى واقع ثقافي مترسخ يحمل معه مجموعة من الإفرازات التي تبقى تموجاتها تثير هواجس وتخلق صدمات. فصورة العراقي يذبح الإنسان كالشاة وأمام المارة في الشارع ! وتبثها شبكات الانترنيت ويتداولها الناس على أقراص مدمجة وتكون أفلاماً للفرجة على شاشات الهواتف النقالة، وتطغي أصوات المكبرين أثناء ذبح الإنسان المسكين([41])، هذه الصورة تعطي انطباعاً أن هناك خللاً كارثياً في شخصية العراقي تصل حتى أعماق هذه الشخصية. ذلك أن جذور العنف تستمد تكوينها من مجموعة من الأسباب والعناصر التي تترك آثاراً تشمل كافة الأصعدة، أهمها تحوله إلى كيان ثابت في البنى التحتية للشخصية.

إن انتشار العنف بهذا الشكل مثل القتل والخطف والسلب وإطلاق العيارات النارية بكثافة والهاونات وصواريخ الأرض ارض (الكاتيوشا) وغيرها من الأسلحة وبالكم الهائل يدل على انتشار السلوك العدائي، إن لم نقل الشخصية الاعتدائية (السايكوباثية)، وينقص تشخيصها سجلات الشرطة فقد اشترطت الكتب الكلاسيكية شرط الإشكالات المتكررة في سجلات الشرطة. وانتشار انحراف الأحداث وانغماسهم بمثل هذه النشاطات من تنفيذ الخطف والقتل (تداول العامة صغر سن أعمار المنفذين). ويقدم البعض (مقاومون ووطنيون ومتدينون) تبريرات عن صواب تلك التصرفات من النصوص المقدسة والحوادث التاريخية وأقوال الزعماء الوطنيين. ويلعب القادة السياسيون والدينيون دوراً في ذلك باعتماد التبرير.

لكن للعنف مبرراته الأخرى، فمنذ دخول قوات الاحتلال أصبحت الوضع الأمني للعراقيين في حال لا يسرٌّ أحد، فلم يعد بمستطاع المواطن العراقي ضمان حياته وحياة عائلته حتى ليومٍ واحد. فالقوات الأمريكية تداهم المواطنين العراقيين في بيوتهم وتقتل المدنيين بطريقة العقاب الجماعي، فأصبح قتل المدنيين على يد الجنود الأمريكيين وعناصر الشركات الأمنية، أمراً معتاداً. هذا إلى جانب الدهم والاعتقالات العشوائية والتعذيب على يد قوات الاحتلال وبدعم من وزارة الداخلية والميليشيات الطائفية وحتى قوات الحرس الوطني. وأصبحت الصحف المحلية والعالمية تتناقل أخبار الاختطافات والتعذيب والتهجير القسري يومياً. فضلاً عن الإنفجارات المستمرة، التي يتعرض لها المواطنون العراقيون في معظم أنحاء العراق، والتي يذهب ضحيتها الأبرياء في كل يوم، من غير أي تحقيق جدي ينتج عن ذلك.

إلى جانب كل هذا، أخذت الجماعات السلفية الطائفية وبعض مليشيات القوى المشاركة في السلطة تصعد بشكل مكثف من ممارساتها الإرهابية بحق المواطنين العراقيين. وأصبح الهجوم على المساجد ودور العبادة مظهراً من مظاهر العداء الطائفي. تجري أغلب العمليات الإرهابية بأسلوب يسود فيه الغموض، إذ تبقى نتائج التحقيق مبهمة، كما حصل مع مختلف التفجيرات، وأهمها مرقد الإمامين العسكريين في سامراء. مما يثير شكوك أغلب العراقيين حول الجهات التي تقف خلف الإرهاب، إذ صار المواطن العراقي يطرح السؤال المشروع حول الجهة المستفيدة من هذا الإرهاب وعمن له مصلحة في تمزيق المجتمع في العراق.

إن العنف المستشري بين العراقيين، بشكلٍ مرعب، وخارج إطاره الرسمي المقنن، لا يتيح مساهمة الأفراد في التنمية بشكلٍ فاعل، بفعل استشراء الخوف كآلية دفاعية، ومن ثمّ فإنه لا يتيح مساحةً للنهوض بواقع المجتمع.

(5) شخصية مستبدة

في تفسيره لظاهرة الاستبداد اتجه المفكر الفرنسي الكبير لابواسييه بفكره صوب الخاضعين المستبَدّ بهم أكثر من المُستبِدّين. ذلك أن ما استرعى انتباهه هو جانب الخضوع في الظاهرة أكثر من جانب الإخضاع، لذلك فقد يتساءل عن السر في انصياع هذا العدد الكثير من الناس لطاغية فرد واستسلامهم له وخضوعهم لأوامره([42]).

إن المجتمعات المقهورة يحقق أبناؤها قهرا متبادلا فيما بينهم لكي يتوافق سلوكهم مع الحالة الجمعية التي هم فيها. فلا يمكننا أن نرتجي من مجتمع مقهور ومضطهد أن يسلك سلوكا اجتماعيا جماعيا مفيدا وذا قيمة إيجابية، لأن القهر يثير العواطف ويشل القدرات العقلية ويمنع التفكير ويصبح التفاعل مجرد استجابات فورية ومشحونة بجميع متطلبات ومبررات البقاء الطبيعية([43]).

إن ما أثار دهشة لابواسييه وهو ينظر في ظاهرة الاستبداد، ليس فعل الإكراه الذي يمارسه الطاغية، بل فعل الرضوخ والانصياع الذي يستجيب به أفراد المجتمع لأوامر المستبد، إن مصدر تعجبه هو سلوك هذا الحشد الكبير من الناس، لهذا اتجه بسؤاله صوب هذا الحشد محاولاً تفسير سلوكهم. والذي جعل في الأمر سراً أو قريباً منه –في عين لابواسييه- هو أن مصدر قوة المُستَبِد لا يستمدها من ذاته، بل ممن استرقهم واستبد بهم، فالمستبد في رأي لابواسييه ليس له من القوة إلا ما منحه الناس إياها، وقدرته على إيقاع الأذى، وإنزال الشر بهم مستمدة من احتمالهم أذاه، وصبرهم بدل مواجهته. وإذا كان الأمر كذلك فإن هزيمة الطاغية المستبد لا تستدعي أن ينهض المُستَبَد بهم لمحاربته كي يهزموه يكفيهم "الامتناع عن عطائه".. فيسقط (كتمثال هائل سُحبت قاعدته فهوى على الأرض بقوة وزنه وحدها فانكسر)([44]).

في هذا الشأن يظهر أن التسلط والاستبداد والهيمنة ليست نزعات شرقية أو إسلامية متميزة، بل هي نزعات عراقية بامتياز، تؤكد ذلك مسيرة النشاط والتفاعل الحزبي والسياسي الحديث في العراق. فلم تجنح الأنظمة التي تسنّمت السلطة جميعاً إلا إلى تعاطي التسلط لكي تحقق ما تريد لفترة قصيرة ومن ثم تسقط في حفر النسيان والهوان. وقد تمكنت هذه النزعة من العراقيين، وأصبح التنازل عنها يحسب من الخسران ومن الثوابت التي لا يمكن القبول بها، وهم يسفكون الدماء من أجلها. فتراهم يتسلط بعضهم على بعض، ولا يعرفون لماذا ولأية غاية سوى لإرضاء غريزة التسلط الجشعة الطباع في أعماقهم.

إن الشخصية العراقية تتسم بنزعة الهيمنة وروح الطغيان والعدائية، والسعي الدائم نحو التزعم والقيادة، فهي شخصية تحاول دوماً إخضاع الأخر لسطوتها حتى لو عن طريق العنف !. لربما أن تعطش الشخصية العراقية نحو الهيمنة والتسلط، مبعثه يرجع إلى حرمانه من تحقيق الذات، وإلى كون العراقي مخلوق متمرد بالفطرة ويعيش في هيجان داخلي من أجل تحقيق ذاته وازدهار وجوده، فوق إرادة الآخرين ورغما عنها، ولكن من خلالها وفوقها،

فالعراقي لا يستسيغ أن يرى من يخالفه في رأي أو عقيدة، ولا يفهم هذه الحقيقة ولا يريد فهمها والاعتراف بها، ولهذا نجده ميالاً إلى الاعتداء على من يخالفه في الرأي أو في العقيدة، ويظن أنه على صواب وغيره على خطأ. وما يدلل على طغيان ثقافة الاستبداد وسيادة الروح الفردية وعداء الآخر وعدم شيوع الديمقراطية أنّك تجدها في أعلى هرم السلطة وصولاً إلى القاعدة ممثلة بعمليات التهجير القسري والقتل الجماعي للمختلفين في الملة أو الطائفة أو الأثنية.

فالشخصية العراقية متطرفة بنرجسيتها، موغلة بعبادة ذاتها، مقتنعة إلى حدّ القطعية بصحة حقيقتها المطلقة، وتعادي من أبدى شكوكاً بهذه الحقيقة، أو طرح شيئاً من علامات الاستفهام حول مصداقيتها. وأكثر ما تتجسد نزعة الهيمنة والانفراد عند الشخصية العراقية، في عدم قدرتها على قبول الآخر كنظير أو ندّ. فهي شخصية أنانية بطبعها، يسيطر عليها الانهمام بالذات في تفاعلها الاجتماعي، إذ يظن صاحبها أن الكون يتمركز حوله. وقد قدمت الجماعة العراقية ما يشير إلى هذه الحقيقة بجلاء في انقسامها الطائفي والديني والاثني، مما أوجد مساحات كبيرة من فقدان الثقة وعدم الأمان وغياب الاطمئنان.

وهذه السمة تستجلب بالتأكيد سمات مرادفة أخرى، تصب جميعها في خانة معوقات النهضة. فالشخصية العراقية أنانية ومزهوة بذاتها وهي لا تعترف بالخطأ إلا ما ندر أو في سياق فرض ذلك عليها بالقوة، ولنا في شخصية الدكتاتور المقبور خير مثلٍ على ذلك.. فالعراقي مجبول على عدم الاعتراف بالخطأ، فهو يعرف بأن ((الاعتراف بالخطأ فضيلة)) لكنه غالباً ما لا يقر بأخطائه، بل ويبررها ويمعن في الدفاع عنها، حتى ولو كلفه الكثير. كما أن الشخصية العراقية تميل إلى الشك دوماًً (فالعراقي أكثر الناس شكاً في الطبيعة والآخرين والقدر والغيب و... ما إلى ذلك)، وهذه السمة تهيمن على رؤاه وتصوراته وتدفع به إلى سلوكيات غير مبررة. وهي من يدفع به إلى عدم الثقة بالآخرين، وبخاصةٍ إذا ما تعلق الأمر بالسلطة، فالشك يكون في أقصى ذروته. فضلاً عن أنه لا يعترف بالخسارة أمام الآخر. مما لا يساعد على النقد الذاتي واستبيان وتوضيح الأخطاء لمحاولة تلافيها في التجارب القادمة، وهو ما يعيق عملية التنمية والنهوض بهذا الوطن.

(6) شخصية منفلتة

غالباً ما تستخدم كلمتا (الديمقراطية) و(الحرية) وكأنهما تعنيان الشيء نفسه، لكنهما في الواقع ليستا كذلك، ويقصد بـ (الحرية) من وجهة نظر القانون: (الإذن بفعل أو بالامتناع عنه، بدون التعدي على حقوق الآخرين. وبدون تجاوز حدود القانون).

وما دامت الحرية مقيدة بالقانون، فهي نسبية، ومن ثم لا تكون حقيقية إلا إذا كان القانون عادلاً، أو كان مقيداً بدستور عادل، وكان يهدف إلى إقرار النظام العام، ولا يتجاوزه إلى الاستبداد والطغيان). لكن الحرية المطلقة تعني الانفلات وهو ما لا يتوافق مع الحفاظ على حريات وحقوق الآخرين. وهذا ما حدث في العراق بأعقاب الاحتلال الأمريكي، إذ أصبح الجميع يخالف القانون بحجة الديمقراطية. لكن عندما يفقد القانون دوره في حياة الناس يكون العمل الجماعي بعيداً عن المنال، لأنه مبني على أصول وقواعد وضوابط، وعندما لا تعرف الجماعة قيمة الانضباط والقانون، فإن العمل الجماعي يكون ضحية وبعيدا عن التحقيق. فكيف يمكننا أن نعطي جماعيا ونحن غير منضبطين قانونياً. بل إن فينا قِوى ودوافع قاهرة تأخذنا في مسارات تتعدى على القانون وتتجاوزه، ففي عرفنا الجمعي الخضوع للقانون ضعف والخروج عنه قوة وفخر ورجولة. وهذا يكون واضحا في سلوك العاملين في السياسة ومَن يرتبط بهم بصلة ما، إذ يكون القانون دوماً لا ينطبق عليهم ولا يعرفهم ولا يعرفونه، لأنهم يحسبون أنفسهم فوقه.

فعلى سبيل المثال نطالع اليوم الحرية المنفلتة التي يمارسها عدد كبير من العراقيين بأسلوب يتقاطع مع مصالح الآخرين وخصوصياتهم وممتلكاتهم، ونشهد ارتفاع نسبة الجريمة بكل أنواعها، ونتلمس تفصيلياً سيادة مبدأ المصلحة الذاتية، حتى ولو كانت بغير حق، على حساب كل الاعتبارات الإنسانية والروحية والأخلاقية، فأصبحت الحياة عبارة عن بورصة تنافسية وليس حياة إنسانية يحتفظ فيها الإنسان بكرامته ومكانته كقيمة عليا. كما صرنا نواجه نزعة شيوع العنف مقابل غياب منطق العقل في اغلب تعاملات الناس اليومية، فبات العنف هو الوسيلة المفضلة لدى الكثيرين للحصول على حقوقهم أو للحصول على ما هو ليس من حقهم أيضاً.

وتحول العراق إلى مسرح تصول وتجول فيه عصابات الإجرام، التي تقتل على الطلب، مقابل أسعار بخسة، على مرأى ومسمع أجهزة الأمن والشرطة والحرس الوطني، التي اخترقتها عصابات الإجرام وأصبح المواطن يخافها بقدر خوفه من العصابات وقوات الاحتلال. الأمر الذي اضطر مئات الآلاف إلى ترك العراق والهجرة إلى دول الجوار، بحيث أصبح عدد المهاجرون أو المهجّرون في أعلى مستوى، لم يبلغه في أي عهد سابق.

كما إن الفساد الإداري بلغ أعلى درجاته، إذ يعد العراق في الوقت الحاضر من دول العالم الأكثر فساداً على الإطلاق. وقد وضع أسس هذا الفساد النظام الصدامي البعثى المهزوم، إذ كان الدكتاتور (صدام حسين) وأفراد عائلته يمارسون الفساد بكل أنواعه ويشجعون على ممارسته. وبعد إسقاط نظام الحكم الدكتاتوري، وذلك بعد احتلال العراق كانت آمال معظم أفراد المجتمع تتمثل بالتخلص من مظاهر الفساد في هذا البلد. ولكن المفاجأة تمثلّت في زيادة الفساد واشتداد حدته وتوسع دائرة انتشاره.

فأصبحت سرقة أموالِ الدولة منتشرةً على جميع المستويات وبشكل علني، ووصلت أرقاماُ خيالية لم يشهدُها العصر الحديث في أي بلد في العالم (العراق من الدول المتصدرة على لائحة الفساد التي تصدرها منظمة الشفافية العالمية للسنة الرابعة على التوالي). لقد صنعت التوليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية نمطاً متميزاً من الفساد والإفساد في العراق بحيث يمكننا الحديث عن ظاهرة عراقية خاصة في الفساد، قد تكون هي الأكثر تعاسة من نوعها في التاريخ المعاصر. وذلك بسبب طابعها الشامل لظاهر وباطن الدولة والمجتمع، إذ إنها وباختصار تتغلغل في كل مسام الوجود في مجتمع العراق، وتنضح منه بقدر متكافئ!

لكن قوات الاحتلال عمدت إلى السماح لعصابات المجرمين واللصوص والقتلة المحترفين، ومن لهم مصلحة في تخريب هذا الوطن بارتكاب أفظع عمليات النهب والتخريب والحرق المتعمد لمختلف وزارات ودوائر الدولة ومؤسساتها الثقافية والعلمية، ومتاحفها وذاكرتها السياسية والأدبية والعلمية وتاريخها العريق، في أكبر عملية نهب وتخريب منظم في العالم لبلدٍ بهذا الغنى والعمق الحضاري كالعراق. كل هذا جرى تحت سمع وبصر قوات الاحتلال.

فقد أصبحت الدولة العراقية في ظل الاحتلال الأمريكي ضعيفةً إلى حد الضياع، ومخترقةً من الناحية الأمنية، مما يجعل مظاهر الفساد تنتشر بشكل مرعب ما دام الحساب والعقاب بعيداً عمن يرتكبون الفساد. وبهذا القدر من الفساد المتأت من الانفلات الاجتماعي الذي يعشه الاجتماع العراقي لن تتبلور عملية نهضة حقيقية في هذا المجتمع.

(7) شخصية غير منتجة

إن الشخصية العراقية شخصية غير منتجة، فهي كسولة ولا مبالية عموماً، وتعيش في العادة عالة على غيرها، وهي في حاضرها تعتمد على الدولة في كل شيء، فالجميع يطلب أن تدعمه الدولة التي لا يقوم هو بدعمها في العادة.

إن هذه الثقافة التي تجعل من الدولة راعية أو أبوية تمثل امتداداً لسلطة الأب المسؤول عن توفير الخدمات والرعاية لأبنائه، وهي ثقافة مجلوبة من زمن الدكتاتورية البغيضة. يشهد على ذلك سنوات الحصار الاقتصادي الظالم الذي أظهر وجود أفراد عراقيين عاطلين عن العمل، لم يشعروا بالحاجة إليه لاعتمادهم على أسرهم أو عوائلهم في الإعالة، وهذه الأوضاع تبدو طبيعية جداً في ثقافة دينية (الإسلامية تحديداً) تأمر بالتكافل الاجتماعي، وهو ما ساد طويلاً في العقود التي سبقت عقد الحصار الاقتصادي سيئ الصيت تسعينات القرن الماضي، والذي أوجد ثقافة عدم الاتكال، فصعوبة توفير لقمة العيش أجبر عدداً كبيراً من الأفراد العاطلين عن العمل، والذين تسرح معظمهم من الجيش، على البحث عن عمل، وبأي أجر، بل أجبر كثيراً من العراقيين على الهجرة بحثاً عن العمل وسداد رمق العيش.... كما إن الكثير من العراقيين الموظفين في القطاع العام تركوا وظائفهم بحجج مختلفة (إجازة طويلة متكررة، أو إجازة بدون مرتب، أو حتى ترك العمل بصورة نهائية)، وذلك للبحث عن مصادر للرزق (كما يدعونها) وأجور تساعدهم على العيش في سنوات الضنك تلك.

فضلاً عن أن الأثر النفسي للمركز الاجتماعي الذي يوفره العمل أثره في الشخصية العراقية، ويؤدي ذلك بالضرورة إلى تحليل درجة الجاه الاجتماعي التي تتباين عمودياً بحسب ما تحظى به مراكز الأفراد من تقدير قليل أو كثير وبسبب التناقض المتبقي بين الرؤية العشائرية والرؤية الحضرية للمهن فإن بعض الأعمال ما تزال محاطة بالعقد النفسية التي تفرضها على ممارسيها. ويلاحظ أن الشرف يشكل المقياس الأهم في تحديد مدى وجاهة المركز المهنية سواء كانت حكومية أم أهلية، لكن شحة الوظائف وفرص العمل وركود الاقتصاد الراهن خلف فقرا شموليا دفع كثيرا من العراقيين لقبول بعض الأعمال (غير المحترمة) لا ندري إن كان القبول المحدود لتلك المهن والأعمال سيستمر بعد ما تزول ظروف الفقر وتنفرج أزمة البطالة الخانقة.

ويلاحظ أن رفض العراقي بعض الأعمال والمهن لا يرجع إلى قلة راتب الوظيفة أو العمل فقط ولكن يعود لاعتبارات اجتماعية وثقافية خاصةً تقاطعه المتخيل مع الشرف والسمعة (كما هو الحال مع رفض ممارسة النساء للأعمال الفنية خاصةً الرقص والغناء ومهنة التمريض أو الأعمال الخدمية في البيوت)، أو لتعارضه مع ثقافة (العيب) السائدة في المجتمع رغم تغيره النسبي (فالعراقي لا يرغب، إلا نادراً، في بعض الأعمال الصغيرة كصبغ الأحذية أو تصليحها أو أعمال التنظيف أو كصناع في المقاهي والمطاعم والفنادق أو حتى حرف كالحياكة أو صناعة الفخار وغيرها مما لا مجال لذكره).

الشيء اللافت في تباين مستويات الاحترام للمهن والحرف والأعمال المعيشية هو اختلاف مقدار ما فيها من كسب مالي وسلطة ومراعاة للشرف ويبدو أن الشرف يمثل العامل والمعيار الأهم بدليل أن كثيراً من الأعمال المغرية مالياً لا تجتذب الكثير من الناس بسبب تقاطعها مع مفهوم أو قيمة الشرف. فضلاً عن أن مقدار السلطة في المركز المهني إذ عندما يتساوى عملان في الأجر أو الراتب يفضل الذي يمنـح صاحبه سلطة اكبر. ومن الواضح، كما يقول أستاذ الأنثروبولوجيا قيس النوري، أن العراقي يبدي ميلاً أقوى نسبياً إلى العمل الذي يرفع من مقامه من ميله إلى عمل أكثر أجراً واقل نفوذاً وجاهاً.

إن هذه النظرة الدونية للعمل لا تساهم في خلق بيئة للتنمية، ولا تساعد في النهوض بالوطن والمجتمع. كما إن الكسل واللامبالاة تشكل عوامل مساعدة على الركود والتخلف.

خاتمة

إن السمات المعيقة للنهضة في الشخصية العراقية، والتي تطرقنا إلى أهمها في الأسطر السابقة، استفحلت بفعل تراكمها التاريخي ومبررات وجودها الآنية، وهي تشير إلى ثقافة اجتماعية مريضة ومعيقة للنهوض بالمجتمع والوطن. ولذا فإن الشخصية العراقية تحتاج إلى تغيير شبه كلي في أنماط حياتها وهذا ما لم يتأت لها ما دامت تعيش في ثقافة التاريخ، وهي في قلب الحاضر.

وتبقى هنالك صفات سلبية أخرى تقابلها صفات ايجابية تمتاز بها الشخصية العراقية. وفي ظني أن موضوع (الشخصية العراقية) ينبغي أن يشكل مشروعاً ثقافياً وطنياً. وعليه أقترح أن تتبنى مشروع دراسة وتحليل الشخصية العراقية أكثر من جهة أكاديمية مختصة، على أن تتبنى الشفافية في الطرح والتحليل والبحث.

...........................

* باحث أكاديمي في سوسيولوجيا السياسة

 

الهوامش

......................................

([1]) محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي: مختار الصحاح، بيروت، دار الكتاب العربي، 1981، ص 331

([2]) إبراهيم مدكور: معجم العلوم الاجتماعية، (تصدير ومراجعة)، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1975، ص 334

([3]) دينكن ميتشل: معجم علم الاجتماع، ت: إحسان محمد الحسن، بغداد، دار الرشيد للنشر، 1980، ص 227

([4]) نفسه، ص 228

([5]) دينكن ميتشل: المصدر السابق، ص 227

([6]) نفسه، ص 228

([7]) الشماس، عيسى: الأنثروبولوجيا الثقافية، الشخصية الحضارية، http://mostakbaliat.com/link105.html

([8]) برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: توجهات الجندر (النوع الاجتماعي) في النزاعات والحالات ما بعد النزاعات، www.acdi-cida.gc.ca/equality

([9]) الشماس: المصدر السابق

([10]) إبراهيم مدكور: المصدر السابق، 335

([11]) عالمة نفس تنتمي إلى مدرسة الفرويديون الجدد (Neo Freudian)، والتي تضم أيضاً أريك فروم وآنا فرويد وغيرهم (ملاحظة للباحث).

([12]) أحمد محمود خليفة: مقدمة في دراسة السلوك الإجرامي، القاهرة دار الثقافة، ط2، 1977، ص77

([13]) تالكوت بارسونزT. Parsons (1902-1979) عالم اجتماع أمريكي، يعد رائداً للاتجاه البنيوي الوظيفي، أصدر تنظيراً مهماً عن أنساق الفعل الاجتماعي في كتابه الذائع (نسق الفعل الاجتماعي)

([14]) متعب مناف السامرائي: نسق الفعل البارسوني، محاضرات ألقيت على طلبة الماجستير قسم علم الاجتماع/ كلية الآداب في جامعة بغداد، في العام الدراسي 1996-1997، ص 2

([15]) ثناء محمد صالح: سوسيولوجيا تاريخ العراق المعاصر، أطروحة دكتوراه مقدمة إلى قسم الاجتماع في كلية الآداب/ جامعة بغداد، 1999، ص 87

([16]) غني عن البيان إن مفهوم (الإنسان) يعد أوسع معنى وأعمق دلالة من المفاهيم المرتبطة به المحاذية له مثل (الشخص) و(الفرد). فإذا كان الفرد هو الإنسان بمفرده وانه سيبقى عاجزاً عن امتلاك عناصر الشخصية ومقوماتها إلاّ بمقدار ((ما يستوعب مكاسب الثقافة ويصبح ذاتاً (فاعلاً) واعياً للنشاط، ويتحمل مسؤولية تصرفاته، بقدر ما يطور فرديته بالذات. فان الإنسان – كما قال ماركس – هو من حيث الجوهر مجمل جميع علاقاته الاجتماعية)). أنظر كيله وكوفالسون؛ المادية التاريخية: دراسة في نظرية المجتمع الماركسية، ترجمة الياس شاهين، (موسكو، دار التقدم، د. ت)، ص300.

([17]) لعلنا لا نبتعد كثيراً عما يراه المفكر المغربي (محمد عزيز الحبابي) من أن ((الكائن الإنساني معطى خام، يظهر ويصير كلما ازداد اتجاهه نحو التشخصن، ونحو الاندماج في مجتمع من الأشخاص. فهو باق (كائناً) خاماً ما لم يظهر للآخرين (...) لأن الظهور لا يكون إلاّ بالنسبة للآخرين. وهذا الارتباط هو الذي يجعلنا في طريق التشخصن)). أنظر كتابه: من الكائن إلى الشخص: دراسات في الشخصانية الواقعية، (القاهرة، دار المعارف، 1968)، ص11.

([18]) غي روشيه: مدخل إلى علم الاجتماع العام، الفعل الاجتماعي، ترجمة: مصطفى دندشلي، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1983، ص13

([19]) متعب مناف: الشخصية العراقية: متبنيات ومنطلقات، بحث مقدم إلى ندوة (بيت الحوار العراقي) الذي أسسته وترعاه مؤسسة النبأ، موقع مؤسسة النبأ وفق الرابط: http://www.annabaa.org/nbahome/nba74/nadwah.htm

([20]) قيس النوري: الشخصية العراقية من منطق التفكيك والتكامل، بحث منشور في فصلية مدارك، دورية،

([21]) حسين محمد عجيل: رحلة في التاريخ الطويل، جنيف، الإنساني (دورية) تصدر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، العدد 25، 2003

([22]) سليم مطر: العراق وخصوصيات الموضع والموقع (مقالات في الهوية)، بغداد، صحيفة الصباح، 20/1/ 2004

([23]) أرنولد توينبي مؤرخ بريطاني، 1889-1975، صاحب موسوعة "دراسة التاريخ" وقد تأثر توينبي بفكر ابن خلدون في دراسة التاريخ وفلسفته، ولكن مع فارق طفيف بينهما، فحين ركز ابن خلدون على دراسة القوانين التاريخية المحركة للدول، نظر توينبي في القوانين التي تحرك الحضارات. يشير توينبي في نظريته عن "التحدي والاستجابة" - أنه كلما ازداد التحدي تصاعدت قوة الاستجابة حتى تصل بأصحابها إلى ما يسميه بالوسيلة الذهبية (المصدرhttp://taqhier.net/pen/rules/r09.htm).

([24]) قيس النوري: المصدر السابق

([25]) المقصود بها دراسته الموسومة: (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) والتي صدرت في بغداد بمجلد من ستة أجزاء في أواسط السبعينات(1976) من القرن الماضي.

([26]) المقصود بها دراسته الموسومة: (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي) والتي صدرت في بغداد عام 1969

([27]) علي الوردي: دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، بغداد، مطبعة العاني، 1969، ص (11-12)

([28]) نفسه، ص 12

([29]) تعود أطروحة الصراع بين البداوة والحضارة إلى العلامة العربي الكبير (أبن خلدون) فيما تعود أطروحة ازدواج الشخصية إلى روبرت ماكيفر R. Maciver، بينما تعود أطروحة التناشز الاجتماعي إلى وليم أوكبرن W. Ogburn

([30]) علي الوردي: المصدر السابق، ص 56

([31]) سيف الدين كاطع: أثر المتغير الاجتماعي والسياسي في تكوين الشخصية العراقية، موقع صحيفة الصباح البغدادية وفقاً للرابط: http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=copy&sid=39477

([32]) علي الوردي: المصدر السابق، ص 25

([33]) أبو عثمان عمرو بن بحر الكناني بن بحر الجاحظ: البيان والتبيين، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، 1948، ج 2، ص 94

([34]) يختلف الرأي حول قائل هذه العبارة لوصف أهل العراق، ولكن شاعت نسبتها إلى نقيضين هما (علي بن أبي طالب رضي اله عنه)، و(الحجاج بن يوسف الثقفي)، وظلت تتردد كثيراً على مسامع العراقيين، وفسر رميهم بها لسوء طبائعهم، ولتصديق ذلك وضعت أحاديث نبوية لذم أهل هذه البلاد، ولتكرار عبارة النفاق والشقاق على المسامع صدقها العراقيون أنفسهم. ويرجح د. رشيد الخيون في مقالٍ له يبحث عن أصل هذه المقولة، بأن قائلها هو عبد الله بن الزبير بعد مقتل أخيه مصعب بن الزبير في البصرة.(للمزيد راجع رشيد الخيُّون: مَنْ القائل أهل العراق أهل شقاق ونفاق؟، موقع عراق الغد وفق الرابط: http://www.iraqoftomorrow.org/printarticle.php?id=21487&pg=articles )

([35]) علاء اللامي: النزعة العراقوية من الجاحظ إلى عبد الكريم قاسم، مقاربة اجتماعية تاريخية، المقال مأخوذ عن موقع صحيفة الزمان، وذلك وفق الرابط http://www.azzaman.com/azzaman/articles/2002/01/01-20/a99081.htm

([36]) رشيد الخيُّون: مَنْ القائل أهل العراق أهل شقاق ونفاق؟، موقع عراق الغد وفق الرابط: http://www.iraqoftomorrow.org/printarticle.php?id=21487&pg=articles

([37]) راجع خطاب السيد رئيس الوزراء (المالكي) في افتتاح المؤتمر العام لشيوخ العشائر للمصالحة 26/8/2006، http://www.iraqi-pm.org/index/05-1.htm

([38]) علي الوردي: المصدر السابق، ص 25

([39]) نذكر منهم الدكتور(يوسف حبّي)، والبروفسور (كرستوفر لوكاس) أستاذ الدراسات التربوية في جامعة ميسوري بولاية كولومبيا الأمريكية، عالم السومريات المعروف (صمويل نوح كريمر)، (ثامر عباس: الحقل السياسي والخطاب الإيديولوجي مدخل عقلاني إلى رواق السلطة، موقع (الإسلام والديمقراطية)، وفق الرابط الآتي: http://www.demoislam.com/modules.php?name=News&file=article&sid=515 )

([40]) ثامر عباس: الحقل السياسي والخطاب الإيديولوجي مدخل عقلاني إلى رواق السلطة، موقع مجلة الإسلام والديمقراطية، العدد (14)، وفق الرابط الآتي: http://www.demoislam.com/modules.php?name=News&file=article&sid=515

([41]) جواد الديوان: الشخصية العراقية: نظريات العلم لم تعجز عن تفسير السلوك العراقي، موقع عراق الغد وفق الرابط:

 05/08/2006 - http://www.iraqoftomorrow.org

([42]) علي محمد هلال الخليفي: جذور الاستبداد في الحياة السياسية العربية المعاصرة قراءة تاريخية في مفهوم الاستبداد وتفسيره وآليات تكريسه، موقع فضائية الجزيرة وفق الرابط:

([43]) نفسه

([44]) نفسه

 

هل العالم العربي عصي عن الإصلاح

.....................................

(*) كاتب وباحث من المملكة العربية السعودية، رئيس تحرير مجلة الكلمة

 المصدر: الحضارية

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ: 2010/03/30   ||   القرّاء: 7941



جميع الحقوق محفوظة لمركز آل الحكيم الوثائقي 2008 ـ 2022

||  يسمح للجميع الاقتباس مع ذكر المصدر  ||
تصميم، برمجة وإستضافة:   

الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net