الصفحة الرئيسية

  القرآن الكريم

  أهل البيت عليهم السلام

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  شهداء آل الحكيم

  معرض صور آل الحكيم

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  أعلام آل الحكيم

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  أخبار هامة

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  التراث العلمي

  صور الفيس بوك

  قصص وضحايا

  مواقع صديقة

  من نحن

  إتصل بنا



البحث في الموقع









جديد الموقع




 أسرة الإمام الحكيم (قدس سره) تقيم مجلسها السنوي بذكرى ايام عاشوراء

 مكتب سماحة السيد عمار الحكيم (دام عزه) يقيم حفل تأبيني بمناسبة الذكرى السنوية لرحيل عزيز العراق (قدس سره)

 مكتب سماحة السيد عمار الحكيم (دام عزه) يقيم حفل تأبيني بمناسبة الذكرى السنوية لاستشهاد شهيد المحراب (قدس سره)

 المؤمنون في العالم يحيون يوم الشهيد العراقي

 الجالية العراقية في لندن تقيم حفل تأبيني بمناسبة الذكرى السنوية لإستشهاد سفير المرجعية

 أسرة الإمام الحكيم (قدس) تقيم مجلس تأبيني بمناسبة الذكرى السنوية لرحيل زعيم الطائفة السيد محسن الحكيم (قدس)

 البرنامج الجماهيري السنوي في العراق احياءاً لذكرى استشهاد الإمام الحسين (ع)

 أسرة الإمام الحكيم (قدس سره) تقيم مجلسها السنوي في العشرة الأولى من شهر محرم الحرام

 نشاطات بعثة شهيد المحراب (قدس سره) في الديار المقدسة .. مصور

 مسجد وحسينية آل ياسين في الكاظمية المقدسة تستضيف آية الله السيد جعفر الحكيم (دام عزه) .. مصوّر




صور عشوائية




 سماحة آية الله السيد محمد تقي الحكيم (قدس سره)

 سماحة آية الله السيد محمد جعفر السيد محمد صادق الحكيم (دام عزه)

 مرجع الطائفة الإمام آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم (قدس سره)

 سماحة آية الله السيد عبد المنعم السيد عبد الكريم الحكيم (دام عزه)

 سماحة آية الله السيد محمد صادق الحكيم (قدس سره)

 سماحة آية الله السيد جعفر السيد عبد الصاحب الحكيم (دام عزه)

 عزيز العراق العلاّمة المجاهد السيد عبد العزيز الحكيم (قدس سره)

 سماحة السيد حيدر السيد محمد باقر الحكيم (دام عزه)

 الدكتور السيد جعفر السيد هاشم الحكيم

 الشهيد حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد حسين الحكيم (قدس سره)





إحصاءات


  • الأقسام الرئيسية: 11

  • الأقسام الفرعية: 35

  • عدد المواضيع: 204

  • التاريخ: 27/11/2022 - 19:59







  • القسم الرئيسي: بانوراما.

        • القسم الفرعي: دراسات وبحوث.

              • الموضوع: العولمة العسكرية وسياسة الحروب.

العولمة العسكرية وسياسة الحروب

العولمة العسكرية وسياسة الحروب

 

بسام العسلي

 

تضمّن بحث أمريكي في السياسة الاستراتيجية ما يلي: «في عالم متعدد الأقطاب تمارس فيه واحدة أو أكثر حتى المائة، عدداً من الطرائق المختلفة، وهي ذات مستويات متباينة من السلطة، وتتوافر فيما بينها مجموعة من التحالفات المتعارضة والمتقاطعة، هو عالم متفجّر جداً وخطير للغاية. وقد أصبح الأمن العالمي والاستقرار في المجتمع الدولي مهدداً، ويمكن أن يخسر الجميع ما يمكن تحقيقه من الفوائد عن طريق العولمة، ولهذا لابد للمسؤولين في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي بقية أطراف المجتمع الدولي من إدراك حجم الأخطار المفروضة عليهم من قِبَل دول مختلفة، أو من منظمات غير حكومية أخذت على عاتقها ضرب الاستقرار، واستخدام سياسة العنف المدمرة»(1). وتتضمن هذه المقولة على ما بها من إيجاز المحاور التالية:

1. إن عالم اليوم هو عالم متنافر، وهو ما لا تريده أمريكا.

2. لقد أخذت أمريكا على عاتقها مسؤولية إعادة تشكيل العالم، ليكون أكثر تماثلاً وأفضل استجابة لمتطلبات أمريكا ومقاييسها.

3. إن العولمة تضمن الاستقرار والأمن من المنظور الأمريكي، وهي تدعو المجتمع الدولي للعمل معها.

4. إن أعداء السلام هم الذين يلجأون إلى العنف.

ولقد ظهرت على سطح أحداث العالم التطبيقات الأمريكية لهذه النظريات وسواها، والتي وضعت العالم على فوهة بركان متفجّر، وبات السؤال المطروح عالمياً: لقد أخذت الإدارة الأمريكية على عاتقها قيادة المركب العالمي وسط محيط هائج، فإلى أين يسير مركب العالم؟

1. العولمة واستراتيجياتها

انطلقت الإدارة الأمريكية من وسط ركام نيويورك وواشنطن في يوم الثلاثاء الأسود في حياة أمريكا (11-9-2001م)، لتستصدر من مجلس الأمن أخطر قرار يتيح لأمريكا حرية العمل العسكري في كل مكان من العالم قد يشكّل تهديداً على أمن أمريكا، وهو القرار (1373)، بتاريخ (28-9-2001م). وبدأت عجلة السياسة العسكرية الأمريكية بالتسارع للوصول (بالعولمة العسكرية) إلى أبعادها المحددة لها في وضع أمريكا في الموقع المهيمن والمسيطر على العالم (سياسياً، واقتصادياً، وإعلامياً، وحتى تعليمياً)، للوصول إلى ما يعرف باسم (السلام الأمريكي)، وهو سلام ذو مقاييس خاصة يمكن استقراء بعض ملامحه من السلام الأمريكي في أفغانستان، والسلام الأمريكي الإسرائيلي في فلسطين. وكان لزاماً استخدام الاستراتيجيات المناسبة للوصول إلى العولمة العسكرية، فكان منها:

استراتيجية الضربات الإجهاضية المسبقة:

وهي استراتيجية تعود إلى عصر الحرب الباردة، وللتعامل مع الحرب النووية المتوقعة على وجه الدقة والتحديد وقد حدد لهذه الضربات شروطها، ومنها:

(أ) وجود نوايا لاستخدام السلاح النووي.

(ب) خروج الأسلحة من ملاجئها واحتلال مواقع الرمي.

(ج) تشكّل قناعة بوجود تهديد حقيقي وشيك الوقوع.

وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل (التي ستبقى حقل تجارب الحروب والأسلحة والنظريات الأمريكية)، قد استخدمت هذه الاستراتيجية في حرب 1967م، عندما اعتبرت أن سحب المراقبين الدوليين من شرم الشيخ، وحشد القوات في العريش ورفح، وعلى تخوم الأرض المحتلة في فلسطين علاوة على النوايا هي أسباب كافية لاستباق خوض الحرب باللجوء إلى استراتيجية الضربات الإجهاضية المسبقة.

والمهم في الأمر هو أن هذه الاستراتيجية (النووية في الأصل)، لا تصلح أبداً لمثل هذا النوع من الحروب لأسباب كثيرة، منها:

(أ) إنه لا يجوز لأمريكا ولا لسواها توجيه ضربات إجهاضية مسبقة، بالاعتماد على النوايا أو حتى على استعدادات للحروب بناء على تقديرات قد لا تكون صحيحة.

(ب) إن قيام أية دولة بشن حرب بحجة وجود تهديد، يعدّ إثارة للاضطراب العالمي، كمثل قيام الصين بالهجوم على تايوان، أو قيام روسيا بالهجوم على جورجيا.

(ج) إن توسيع نطاق هذه الاستراتيجية من شأنه إعادة العالم إلى (عصر القوة الاستعمارية)، ويحرم العالم من الجهود البنّاءة لإقام نظام عالمي حقيقي (عولمة) تستند إلي الشرعية الدولية.

وهذا ما أكّده الرئيس الأمريكي (جورج بوش) في كلمة له يوم 5 تشرين الأول-أكتوبر 2002م، جاء فيها: "يشكّل العراق خطراً على الولايات المتحدة الأمريكية، وليس التردّد أو التراخي من خيارات واشنطن، حيث يمتلك العراق مخزوناً كبيراً من الأسلحة الكيميائية، وهو على صلات مع جماعات إرهابية، وإننا لا نستطيع ترك أمن وسلامة الولايات المتحدة في أيدي العراق، وإن الحرب محتومة إذا رفضت بغداد نزع أسلحتها". وكرّر (جورج بوش) هذا الموقف يوم 8 تشرين الأول-أكتوبر، بقوله: "على العراق أن ينزع أسلحته، وإلاّ فإن الولايات المتحدة وحلفاءها سيفعلون ذلك".

ومن الملاحظ هنا اختفاء المخاوف الأمريكية على (الأمن العالمي)، و(السلام العالمي)، والتركيز على المخاوف من تهديد (الأمن الأمريكي) و (السلام الأمريكي). وعند وضع هذا الموقف في إطار بقية المواقف لإدارة (جورج بوش) يبدو أن التحوّل من (العالمية) إلى (الأمريكية)، هو لتحقيق أهداف عديدة، منها: استنفار أمريكا بكل هيئاتها، وتنظيماتها، وزجّها في تيار الحرب للدفاع عن (المصالح الأمريكية والمستقبل الأمريكي)، ومنها: إرسال رسالة إلي الدول الكبرى بخاصة، وإلى كل العالم بصورة عامة أن أمريكا ماضية في مخطط (العولمة)، وأنها غير مبالية بالمقاومات والاعتراضات، وأنها معتمدة بخاصة على (العولمة العسكرية)، حيث بلغت موازنة الدفاع للعام الحالي (2002 2003م)، حوالي (355) مليار دولار، وهو مبلغ يزيد على موازنات الدول الكبرى مجتمعة تقريباً.

استراتيجية الردع:

وهذه الاستراتيجية بدورها من موروث استراتيجيات عصر الحرب الباردة (والاستراتيجيات النووية)، وهدفها حرمان العدو أو الأعداء المحتملين من حرية العمل العسكري تحت تهديد الدمار أو أسوأ النتائج. وكان شعار الإدارة الأمريكية لزجّ العالم في خندق مكافحة الإرهاب هو: "من ليس معنا فهو ضدنا"، أو "من لم يكن معنا فهو مع الإرهاب"، وبذلك انفتحت مغاليق العالم أمام (العولمة العسكرية)، وحصلت أمريكا على ما تريده من الدعم المعنوي والسياسي، لتغطية أعمالها العسكرية المتوقّعة (حيث تشير كل التوقعات إلى أن العراق يمثل الهدف الجديد للعولمة العسكرية).

ومعروف أن (استراتيجية الردع) هي الاستراتيجية الرئيسة في الحروب الأمريكية (كما في حرب الخليج الثانية عندما تم تهديد العراق باستخدام الأسلحة النووية إذا ما استخدم العراق أسلحة كيميائية)، وكما تمارسه الإدارة الأمريكية في الإعداد لحربها الجديدة، بهدف عزل العراق عن كل دعم خارجي (وبصورة خاصة بالأسلحة).

استراتيجية العصا والجزرة:

وهي استراتيجية مكمّلة لاستراتيجية الردع، ولكنها تعتمد على تجزئة جبهات الصراع، وتقسيم منظومات المقاومة عبر تهديد الأطراف الأصلب، وإغراء الأطراف الواهية أو الضعيفة، كمثل تهديد قادة العراق يوم (9-10-2002م) بأنهم سيتعرّضون لمحاكمات (مجرمي الحرب) إذا ما هم نفّذوا أوامر (صدام حسين) باستخدام الأسلحة الكيميائية، وكذلك إغراء قيادات فلسطينية بالدعم إذا ما تعاونت مع أمريكا وإسرائيل، (ومثل ذلك ما قطعته أمريكا والغرب عامة لأفغانستان، ومن قبل للصرب، والبوسنة، وكوسوفو، من وعود بالدعم وبمستقبل أفضل، إذا ما قدموا الدعم لقوى التحالف).

ويمكن اعتبار هذه الاستراتيجية هي الغطاء التجميلي لسياسات الحروب الأمريكية، وليست هذه سوى بعض الاستراتيجيات التي يضمها (قاموس) السياسة العسكرية الأمريكية. وأما وسائل تنفيذ هذه الاستراتيجية وتطبيقها على المستوى العالمي، فمتنوعة أيضاً.

ويشكّل التفوق العسكري الأمريكي في كل المجالات أول وسائل العولمة العسكرية، وتستطيع أمريكا بحسب هذا التفوّق خوض حربين محدودتين أو أكثر في وقت واحد (العراق وأفغانستان مثلاً)، ولكنها تسعى لخوض هذه الحروب في إطار تحالفات بهدف تحييد المقاومات المحتملة أو المتوقعة، أو عزلها عن تيار الأحداث (تهميشها). ولقد أفادت الإدارة الأمريكية من أحداث 11 أيلول- سبتمبر 2002م، لتطوير وسائلها المستخدمة لتحقيق العولمة العسكرية، والانتقال من العمل السري إلى العمل العلني، ومن ذلك:

ربط العالم بشبكة استخبارات واحدة في القاعدة (واشنطن)، حيث أمكن لعناصر الاستخبارات المركزية (سي. أي. إيه) والاستخبارات الاتحادية (اف. بي. اي) اقتحام كثير من مراكز استخبارات عواصم العالم، ومنها عواصم عربية، وربط هذه المراكز بواشنطن (عبر التنظيم والتدريب وجمع المعلومات وتبادل الخبرات). وقد ظهر أن هذا العمل هو أساس كل الأعمال العسكرية المتوقعة أو المباغتة إذ من المحال خوض الحرب العالمية بدون معرفة دقيقة بهذا العالم.

ربط العالم بشبكة اتصالات، وشبكة إعلام موحدة، حيث أصبحت مراكز الاتصالات الأمريكية هي المسيطرة والمهيمنة على ثمانين بالمائة من الاتصالات العالمية، وقد زاد من دور هذه الشبكات تطور التقانة التي تمسك أمريكا بمفاتيحها (سواء أكان ذلك عبر الاتصالات البرية، أم الجوية، أم الفضائية، عبر الأقمار الاصطناعية).

2. الذرائعية في الحرب

تبقى (قصة مروحة الداي)(2) أمثولة للذريعة السياسية العسكرية، فعندما تتوافر عوامل الحرب، يصبح باستطاعة الطرف القوي والمصمم على شن الحرب والعدوان ابتداع أية ذريعة لتنفيذ تلك السياسة العسكرية. وقد يسجّل التاريخ الحديث (قصة مروحة الداي المحسّنة والمطوّرة) عند التعرّض لقصة الذرائعية في الهجوم المتوقع على العراق تحت ذريعة (امتلاك العراق لأسلحة التدمير الشامل)، أو ذريعة (أن الشعب العراقي يستحق نظاماً أفضل من نظام صدام حسين)، أو (أن العراق يقدم للاستشهاديين الفلسطينيين مساعدات مالية تدعم الإرهاب)، أو حتى القول إن (العراق على علاقة بالإهاب الدولي)، حتى لو لم يكن هناك أي دليل قاطع أو برهان حاسم، لتأييد أي من الذرائع المذكورة أو سواها، مما يمكن ابتداعه وابتكاره وتأليفه.

وطالما أن قضية (الذرائع) هي قضية ابتداع وابتكار وتأليف، فإن باستطاعة أصحاب السياسة العسكرية فرض ذرائع لا نهاية لها تصل إلى ما أصبح معروفاً باسم (الشروط التعجيزية)، لإرغام من ستتم مهاجمته على رفض تلك الشروط الذرائعية (مثل ما طالبت به أمريكا من شروط مهينة لإرغام العراق على رفض شروط يصعب قبولها لما فيها من انتهاك للسيادة الوطنية والقومية، كمثل فتح أجواء العراق والسماح لقوات من أعضاء مجلس الأمن بالدخول إلى العراق في كل وقت، مما يعني الاستباحة الكاملة للعراق، وهو ما كان قد أرغم رئيس يوغوسلافيا السابق سلوبودان ميلوسيفيتش على دخول الحرب التي فرضت عليه، وهو أيضاً ما كان قد أرغم اليابان على مهاجمة (بيرل هاربور) يوم 7 كانون الأول- ديسمبر 1941م، ودخول الحرب ضد الحلفاء: بريطانيا وأمريكا).

وبما أن الدول الاستعمارية الكبرى هي التي ابتدعت الذرائعية، فقد كان من المتوقع ألاّ تنخدع (بالذرائعية الأمريكية) للهجوم على العراق؛ وإذا كانت هذه الدول قد أقرّت إطلاق يد أمريكا في حرب أفغانستان، فإن استئثار أمريكا بثمار الحرب، وحرمان بقية الدول الكبرى منها، قد مارس دوره في اتخاذ مواقف مضادة لمحور الخير (الذي يتمثل بمحور واشنطن لندن تل أبيب). وتولّت روسيا، وألمانيا، وفرنسا، والصين، مهمة معارضة مشروع أمريكا المقدم لمجلس الأمن، من أجل الحصول على تفويض بضرب العراق، وهو مما سيمهّد لإطلاق يد أمريكا لتنفيذ (استراتيجية الضربات الإجهاضية المسبقة) ضد أي من الدول التي تجد أمريكا أنها تعترض سبيل (العولمة أو الأمركة).

وتجدر الإشارة إلى أن الإدارة الأمريكية قد وضعت لائحة للدول التي لها علاقة بالإرهاب أو التي تحمي الإرهاب وتمنح منظمات الإرهاب قواعد ومساعدات.. إلخ فكانت حوالي (60) دولة، ويعني ذلك أن ثلث دول العالم مدانة من أمريكا بالإرهاب (عدد دول العالم الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة 189 دولة بما فيها ميكرونيزيا)، فهل ستوجّه أمريكا ضرباتها الإجهاضية المسبقة (أو الضربات الوقائية) لكل هذه الدول، ولو على التتابع؟ لقد طلبت الإدارة الأمريكية من مراكز الأبحاث ومن الأجهزة الدبلوماسية، إعادة النظر في صيغة العلاقات الأمريكية الصينية، والعلاقات الأمريكية الروسية، وربما سواهما أيضاً؛ فهل يعني ذلك بداية الحرب العالمية الجديدة باستخدام الأسلحة النووية وأسلحة التدميرالشامل، فيما تخوض أمريكا حربها ضد العراق بذريعة وجود نوع من أسلحة التدمير الشامل (الكيميائية) التي تتهدد أمن الولايات المتحدة الأمريكية؟ أم أن هذا الإجراء يندرج في إطار (استراتيجية الردع)، لتقييد حرية العمل السياسي والعسكري للدول الكبرى، وفي طليعتها موسكو وبكين؟

وخلاصة القول: إن الذرائعية الأمريكية لشن الحرب، سواء تحت ذريعة (الهجمات الوقائية، أو الضربات الإجهاضية المسبقة، أو الردع، أو سواها من الاستراتيجيات)، ما هي إلاّ ذرائع واهية ومكشوفة، ولا يمكن قبول شرعيتها من قبل الدول الكبرى أو الصغرى، فالدول الكبرى قد صنعت عبر ليل الاستعمار الملاحم الطوال بذرائعيتها، وتستطيع حتى بعد غروب شمس الاستعمار التمييز بين الحقائق وبين الذرائع من خلال تجاربها الذاتية، كما أن الدول الصغرى والتي طالما عانت من قسوة الاستعمار ووحشيته قد حفظت كل أنواع الذرائع؛ وهذا ما يفسّر سقوط الأقنعة الأمريكية بسرعة حتى من قبل الإعلان عنها واكتشافها وهي مازالت مجرد نوايا، وهذا ما يفسّر أيضاً المقاومة العالمية للسياسات الأمريكية التي تحاول الإفادة من الذرائعية، لستر أهدافها وإخفاء نواياها التي يمكن إيجازها بكلمة (العولمة الأمريكية)، أو (الهيمنة الأمريكية) أو (الامبراطورية الأمريكية) بحسب التسميات المستجدة أو المستحدثة، والشواهد على ذلك كثيرة، وهي تتنوع كل يوم، وتتبدل باستمرار لتقدم المزيد من التصميم العالمي على رفض الذرائعية الأمريكية، ومن ذلك على سبيل المثال، ما أعلن في العاصمة الدانمركية (كوبنهاجن) يوم 24 أيلول-سبتمبر 2002م، من أن القمة الآسيوية الأوروبية (والتي ضمت الدول الأوروبية وعشر دول آسيوية)، قد أصدرت بيانها الختامي الذي تضمّن دعوة الولايات المتحدة الأمريكية للعمل من خلال هيئة الأمم المتحدة، وتجنّب أي عمل عسكري أحادي الجانب ضد العراق، كما تضمّن البيان تجديد التزام الدول الآسيوية الأوروبية باتفاقية التجارة الحرة، وإقامة علاقات اقتصادية قوية لمواجهة النفوذ الأمريكي الملحوظ في آسيا.

وفي يوم 6 تشرين الأول-أكتوبر 2002م، افتتح نائب رئيس وزراء ماليزيا (عبدالله أحمد بدوي) في العاصمة (كوالالمبور) القمة الاقتصادية السنوية لدول شرق آسيا، وألقى كلمة انتقد فيها الولايات المتحدة لعزمها شن حرب ضد العراق، كما انتقد الدول الغربية عموماً لتبنّيها أسلوب (عولمة) يلحق أضراراً فادحة بالدول النامية، وكان مما تضمنته كلمته ما يلي: "لا يمكن لدولة أن تطالب بتغيير حكومات دول أخرى، كما أنه ليس من حق أي دولة في العالم شن حرب ضد دولة أخرى بدون تفويض من مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة. ومن المؤكد أن نظام النقض الفيتو الذي تعمل به الأمم المتحدة والذي يخوّل الدول الخمس دائمة العضوية برفض القرارات الدولية، يتناقض تماماً مع المبادئ الديمقراطية، لأنه يضع مصير السلم العالمي والعدالة الدولية في يد دولة واحدة تتحدى إرادة الغالبية الساحقة من الدول".

لقد امتلكت الولايات المتحدة الأمريكية أقوى قدرة عسكرية في الأزمنة الحديثة، وليس هناك من يستطيع منافستها في هذا المضمار سواء في مجال الحروب التقليدية، أو في مجال الحروب بأسلحة التدمير الشامل ولا تعتمد القدرة العسكرية الأمريكية على حجم القوات المسلحة، ونوعها، وتسلحها فقط؛ وإنما أيضاً على قدراتها الاقتصادية الهائلة التي تستطيع من خلالها رفع القدرة العسكرية إلى حدود تتجاوز مجالات المنافسة علاوة على التفوق في التقانة، وعلى القدرة التنظيمية في العمل السياسي، وكذلك (الهيبة الأمريكية) المتشكّلة من ذلك كله وهذا ما اعترفت به الأطراف المنافسة لأمريكا من الدول الكبرى. واعتماداً على هذه المكوّنات انطلقت أمريكا في البحث عن (أعداء) و (خصوم) جدد بعد أن تفكّك الاتحاد السوفيتي في العام 1991م، وجاءت التحوّلات الحاسمة بعد ذلك بعشر سنوات عندما أفادت الإدارة الأمريكية من أحداث 11 أيلول- سبتمبر 2001م، لتضع قدرتها العسكرية في الخدمة إذا ما جاز التعبير لتحقيق مجموعة أهداف العولمة (أو الأمركة) السياسية منها والاقتصادية والثقافية.

وبدأت (الذرائع) في التشكّل على كل تلك الأهداف (وحولها)، ومن ذلك ما هو أقرب عهداً ما جاء على لسان (جورج بوش الابن) يوم 29 كانون الثاني- يناير 2002م في خطابه (رسالة الاتحاد) عندما هاجم بعنف ما أطلق عليه اسم (محور الشر)(3) المكوّن من العراق، وإيران، وكوريا الشمالية. ومن قبل ما تردّد بشأن الهجوم على (الدول المارقة)(4)، وذلك بحجة أن إيران تمتلك أسلحة صاروخية تهدد أمن إسرائيل (صواريخ شهاب 2) التي يزيد مداها على 1300 كم وتحلق بسرعة 6500كم- ساعة، وتحمل ألف كيلوجرام من المتفجرات، وأن كوريا الشمالية تستطيع بصواريخ (تايبو دونغ 2) ضرب أمريكا في العمق، حيث يصل مدى هذه الصواريخ إلى 6500 كم، وأن العراق يساعد أسر شهداء الانتفاضة، مما يشجع الإرهاب، وأن صدام حسين عدو لأمريكا وإسرائيل. ويمكن أن يضاف إلى ذلك، وضع خطة أمريكا (لاستخدام الأسلحة النووية) ضد سبع دول، هي: روسيا، والصين، وكوريا الشمالية، وإيران، والعراق، وسوريا، ولبنان؛ ويمكن في مثل هذه الحالات وسواها أيضاً ابتداع المزيد من (الذرائعية)(5).

3. الشرعية الدولية والقوة

لم يحاول الرئيس الأمريكي (جورج بوش الابن)، ولا أحد من عناصر إدارته ممارسة الضغوط على (مجلس الأمن) و (هيبة الأمم المتحدة) بصورة سرية، أو بطريقة بعيدة عن الإثارة والتحدّي، وإنما تم الإعلان بوضوح تام أن أمريكا تستطيع الهجوم على العراق بصورة منفردة (ومعها انجلترا وإسرائيل)، وأن (مجلس الأمن) سيلقى ومعه هيئة الأمم المتحدة مصير (عصبة الأمم) إذا لم تصدر قراراً جديداً يطلق يد أمريكا في الهجوم على العراق وعلى سواه أيضاً دونما حاجة للرجوع إلى مجلس الأمن، وذلك تحت (ذريعة) أن أمريكا لا تستطيع انتظار الخطر حتى يصل إلى الولايات المتحدة، وأن (أمريكا) ستعمل على ضمان (أمن شعبها) بكل الوسائل المتاحة.

وجاءت ردود الفعل العالمية على هذا الموقف الأمريكي مميزة أيضاً بدرجة كبيرة من الوضوح والصراحة سواء من قبل الدول الكبرى (ألمانيا، وفرنسا، وروسيا، والصين بدرجة أقل)، أو من قبل بقية دول العالم وشعوبه وهيئاته وتنظيماته، وحتى من قلب معاقل التحدّي في أمريكا وبريطانيا، ومن ذلك ما ورد في صحيفة (انديبندنت اللندنية) يوم 4 تشرين الأول-أكتوبر 2002م، حيث ورد ما يلي: "تتجه منظمة هيئة الأمم المتحدة بالتأكيد نحو الخراب، بعد أن أصبح الرئيس الأمريكي (جورج بوش) يعتبر نفسه خبيراً فيها، وقد حاول بوش إعلام شعبه أن الأمم المتحدة تتعرّض للخطر بتحولها إلى عصبة أمم كمثل ما كانت عليه قبل الحرب العالمية الثانية ويعني بوش بذلك أن هيئة الأمم المتحدة ستنهار ما لم تركع وتخضع للمطالب الأمريكية بغزو العراق. ويريد بوش بالتأكيد استخدام الأمم المتحدة لخدمة مشاريعه الخاصة في تغيير أنظمة الحكم في العالم، وتغيير خريطة الشرق الأوسط، وتمكين الشركات الأمريكية من السيطرة على نفط المنطقة، وإلحاق أكبر ضرر بدولها. ولكن لماذا يجب على العراق الخضوع لقرارات الأمم المتحدة، بينما تتحدّى إسرائيل قرارات مجلس الأمن، وفي الوقت الذي تحوّلت فيه هذه المنظمة إلى أداة أمريكية".

وقد كان من الغريب حقاً تشبيه الرئيس الأمريكي (بوش) هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن بعصبة الأمم، بدون أن يحاول إجراء مقارنة بين سبب سقوط (عصبة الأمم)، وسبب السقوط الراهن (لمجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة)، وهو إخضاع التنظيمين الدوليين للقوة، ولجبروت الدولة الكبرى (بريطانيا في عصبة الأمم، وأمريكا في مجلس الأمن).

وهنا لابد من تذكّر ما تعرّضت له (عصبة الأمم) منذ تأسيسها، لإبراز الوجه الحقيقي للمقارنة بين عصبة الأمم القديمة، وبين هيئة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن في أوضاعه التي وصلت به إلى حالة الانهيار.

تشكّلت (عصبة الأمم) مع نهاية الحرب العالمية الأولى بهدف (تسوية ما سببته الحرب من مشكلات)، وبناء نظام عالمي بعيد عن الحروب وكوارثها وأهوالها، ولتحقيق هذا الهدف أعلن الرئيس الأمريكي الثامن والعشرون للولايات المتحدة الأمريكية (توماس وودرو ويلسون 1856 1924م) النقاط (الأربع عشرة)، لتسوية مشكلات ما بعد الحرب، وذلك يوم 8 كانون الثاني-يناير 1918م. وبعد شهر أضاف الرئيس الأمريكي إلى هذه النقاط تأكيداً جاء فيه: "لن يكون هناك ضم ولا جزية ولا تعويضات انتقامية، إن حق تقرير المصير سيكون مقبولاً كمبدأ إلزامي، وستتم كل تسوية إقليمية لفائدة ومصلحة الشعوب المعنية. إن حق تقرير المصير ليس جملة بسيطة، إنه مبدأ إلزامي سيهمل رجال الدولة منذ الآن مخاطره، وستقع أخطاره على مسؤوليتهم". ووافقت ألمانيا على مبادئ التسوية (الأمريكية)، ووقّعت على اتفاقية السلام(6)، ولكن رئيس فرنسا (كليمنصو)، ورئيس وزراء بريطانيا (لويد جورج) لم يكن لديهما الاستعداد لقبول شروط السلام الأمريكية، فقد أعلن (كليمنصو) الذي كان قد بلغ من عمره(77) عاماً عندما علم باستسلام ألمانيا، ما يلي: "وأخيراً جاء اليوم الذي كنت أنتظره منذ نصف قرن، لقد حان هذا اليوم، حان يوم الثأر"، وفيما يتعلق بمبادئ ويلسون الأربعة عشر، قال: "أربعة عشر أمراً، إنه لشيء قاسٍ جداً، إن الله لم يصدر إلاّ عشرة أوامر فقط" إشارة منه إلى التجبّر والاستعلاء اللذين بلغهما الرئيس الأمريكي تجاه خصومه المنكسرين.

وكان موقف (لويد جورج) مطابقاً لموقف (كليمنصو)، فتم تجاهل مبادئ ويلسون ومُزّقت الامبراطورية العثمانية، وقسّمت البلاد العربية، وتم وضعها تحت الانتداب البريطاني (العراق والأردن وفلسطين)، وتحت الانتداب الفرنسي (سوريا ولبنان)، وشرعت بريطانيا في تنفيذ مشروعها لإقامة إسرائيل على أرض فلسطين، ومزّقت ألمانيا واستنزفت مواردها. وكما كان متوقّعا، فقد بدأت ألمانيا تمرّدها بمجرد استعادة قدرتها، وانطلقت الحرب العالمية الثانية من رماد الحرب العالمية الأولى، وانهارت (عصبة الأمم) عندما انسحبت منها ألمانيا، بل كانت قد انهارت من قبل، عندما فشلت في إقامة سلام عادل. ويُذكر أن الرئيس (ويلسون) كان قد أرسل إلى بلاد الشام لجنة من عصبة الأمم برئاسة الأمريكي (كراين) لاستطلاع رأي السكان بشأن المستقبل، وحق تقرير المصير، وأظهر الشعب العربي في فلسطين، وسوريا، ولبنان، والعراق تصميماً على الاستقلال. وإذا لم يكن هناك بدّ من (الانتداب) فيفضّل أن يكون (انتداباً أمريكياً)، ولكن بريطانيا وفرنسا كانتا قد احتلت بلاد الشام وقسّمتها في إطار ما عُرف باسم (اتفاقية سايكس بيكو). وغريب ما في الأمر أن الرئيس الأمريكي (جورج بوش) قد أشار إلى انهيار (عصبة الأمم)، لكنه على ما يظهر لم يسمع بمبادئ (ويلسون)، ولم يحاول معرفة سبب انهيار ذلك التنظيم، فسار على درب الاستعمار القديم، وأخذ بنهج وذرائعية رجال الاستعمار القديم.

لقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي العضو المؤسس لهيئة الأمم المتحدة، لتكون المرجع في التعامل مع القضايا الدولية، فهل استنزفت هذه الهيئة أغراضها، وحققت أهدافها، وانتهى دورها من وجهة النظر الأمريكية، وآن لها أن تتقاعد لتلحق بالتنظيم الدولي الذي سبقها والذي كان يحمل اسم (عصبة الأمم)؟ ألم تبرهن هذه الهيئة عن عجزها باستمرار في التعامل مع قضايا الصراع العربي الإسرائيلي، بسبب رفض إسرائيل للشرعية الدولية التي كانت هي المسؤولة عن قرار تقسيم فلسطين وقيام الكيان الإسرائيلي على ترابها؟ ألم يكن (النقض) الأمريكي لكل القرارات الدولية التي تدين إسرائيل بالانحرافات والإجرام والخروج على كل المقاييس الدولية والقيم الإنسانية هو السبب في سقوط تلك المرجعية (أو الشرعية) الدولية؟ وهل كان لتلك الشرعية الدولية دور في التعامل مع (البوسنة، وكوسوفو، والشيشان.. وسواها من الأزمات)؟ أم أن أمريكا وروسيا هما اللتان انفردتا بالتعامل مع هذه القضايا؟ وإذن فطالما أن أمريكا قد أخذت على عاتقها التعامل مباشرة مع الأحداث الدولية، فلماذا لا يتم الإعلان عن حل هيئة الأمم المتحدة وإنهاء وجودها، بعد أن أصدر الرئيس الأمريكي إعلاناً (بمثابة ورقة نعي بوفاتها)؟

إقراراً بالواقع، فقد كان من حق العرب والمسلمين قبل سواهم، العمل لإسقاط رداء (الشرعية الدولية)، والانسحاب من هذه الهيئة الدولية التي لم تنجح في تنفيذ قرار واحد مثل: قرار تقسيم فلسطين في نوعه وحجمه ونتائجه، لاسيما وأن الشارع العربي والإسلامي قد سحب ثقته من هذه المنظمة منذ البدايات الأولى لإنشائها. وقد يكون يوماً تاريخياً يحمل تحوّلات رائعة إذا ما عملت الولايات المتحدة علي الابتعاد بظلها عن هيئة الأمم المتحدة، وأن تهدمها مادياً بعد أن أفرغتها من أدوارها المعنوية، والأخلاقية، والقانونية، والشرعية باستثناء بعض الصدقات الإنسانية التي عادة ما كان يتم تقديمها قبل قيام هيئة الأمم المتحدة، وستستمر حتى بعد زوالها والإجهاز عليها وربما بشكل أفضل وأمثل، حيث تصل المساعدات الحقيقية لمستحقيها الحقيقيين.

ويكفي هذا التنظيم الدولي ذلاً ومهانة أن نظاماً من نوع إسرائيل ومن حجم إسرائيل، يتطاول ليرفض الإرادة الحقيقية للمجتمع الدولي بما في ذلك على سبيل المثال إخضاع المنشآت النووية الإسرائيلية للرقابة الدولية، وإخلاء منطقة الشرق الأوسط (أو الوطن العربي) من مثل هذه الأسلحة استجابة لرغبة سكانها الأصليين، فيما تذهب أمريكا وشرعيتها الدولية لمهاجمة ما أطلقت عليه اسم (محور الشر)، وفي طليعته العراق تحت (أية ذريعة)، وبخاصة منها القول إن العراق قد يستطيع بعد سنة الحصول على قنبلة نووية؟ أو إن العراق قد يهدد أمن أمريكا، أو إن العراق يكره أمريكا وإسرائيل!

4. الوطن العربي والتحديات الثقيلة

لابد من الاعتراف قبل كل شيء أن إدارة (جورج بوش) قد استطاعت تحقيق نجاح مذهل في استعداء الشعب العربي والشعوب الإسلامية بكل طبقاتها واتجاهاتها، ومذاهبها، وانتماءاتها، وأعراقها، بحيث يصعب مقارنة هذا العداء بأي حالة من حالات العدائية التاريخية المعروفة كمثل عداء الشعوب للاستعمار الغربي وبحيث إن الدول المنافسة لأمريكا أو حتى المعادية لها لو أنفقت ما في الأرض جميعاً لاستعداء الشعب العربي والشعوب الإسلامية، ما استطاعت الوصول إلى ما حققته إدارة (جورج بوش) من نجاح.

والأسباب كثيرة، لعل في طليعتها سببين: أولهما: الهجوم المباشر على العرب عبر تطوير الأعمال العدوانية الصهيونية (الإسرائيلية) علي الشعب الفلسطيني، وقيام إسرائيل (شارون) بأعمال همجية لم يعرف التاريخ نظيراً لهاً بما في ذلك أهوال الحروب العالمية، وبما في ذلك مذابح المغول (التتار) القديمة وثانيهما: الهجوم المباشر أيضاً على العقيدة الإسلامية، والمدارس الفكرية الإسلامية، وذلك تحت ذرائع مكافحة الإرهاب. وقد تكون نوايا (جورج بوش وإدارته هي نوايا طيبة بحسب ما يتم الإعلان عنه من مزاعم وقد يكون جورج بوش وإدارته صادقين أيضاً في أن عدوهم الإرهاب، وليس الإسلام، ولكن ما من أحد استطاع قبول الذرائع الأمريكية والإسرائيلية)، فهل من الغريب أن تستحوذ أمريكا على كل هذا العداء، ثم تتساءل بذكاء مذهل بقولها: لماذا يكرهوننا؟

لقد جاءت التحدّيات الأمريكية التي فرضتها الإدارة الأمريكية في أعقاب أحداث 11 أيلول-سبتمبر 2001م، لتضع الشعب العربي والشعوب الإسلامية في حالة استنفار دائم وتوقّع العدوان تحت أية ذريعة ولأي سبب ومن ذلك:

1. لقد كان في طليعة الذرائع الأمريكية لشن الحرب على العراق، احتمال امتلاكه لأسلحة بيولوجية، واحتمال امتلاكه بعد سنة أو سنوات للأسلحة النووية، فيما تتباين التقديرات الأمريكية والأوروبية في حجم الترسانة النووية الإسرائيلية المحمية.

2. الأهم من ذلك، هو ما ذكره (الرئيس بوش) في أكثر من مناسبة، بأن صدام حسين هو عدو لأمريكا وإسرائيل (أيضاً). وبما أن إسرائيل هي عدوة لكل الشعب العربي، فإن الشعب

العربي وقياداته أصبحا هدف الحرب المتوقعة.

3. اعتبرت الإدارة الأمريكية أن الأصولية الإسلامية بمختلف مدارسها، وفئاتها، وتنظيماتها هي هدف الحرب الأمريكية والإسرائيلية، ومعروف أن كل مسلم هو أصولي طالما أنه ملتزم بكتاب الله (القرآن الكريم)، وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، ويعني ذلك محاربة كل ما هو مسلم.

4. اعتبرت أمريكا وإسرائيل أن المقاومة الفلسطينية للاستعمار الإسرائيلي عمل إرهابي (وهذا سبب إدراج حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي) على قائمة الإرهاب، وبذلك أصبح الإرهاب الإسرائيلي (دفاع مشروع)، وأصبحت المقاومة (عملاً إرهابياً)، وهو انحراف لا يستقيم للمنطق ولا يسوغه عقل.

5. لقد أصبح واضحاً كل الوضوح أن ما تم إشهاره من معلومات عن حروب أمريكا، قد حدّدت أهدافه بالحصول على الثروة النفطية في إطار (العولمة الاقتصادية)، بهدف وضع الدول الكبرى تحت سيطرة أمريكا وشركاتها البترولية، وذلك لتغطية نفقات الحروب، ولرفد القدرة العسكرية الأمريكية بما تحتاجه من الدعم. ولقد جاءت تطورات الحرب الأمريكية في أفغانستان لتؤكد حقيقة (أنه حيثما يوجد بترول توجد أمريكا)، إذ بينما كانت القوات الأمريكية تخوض حربها هناك، كانت الشركات البترولية الأمريكية تفرض هيمنتها على أحواض البترول في آسيا الوسطى، وتضع المشاريع الضخمة لإرسال البترول عبر الأنابيب إلى المحيط الهندي، وحتى المحيط الهادي عبر أفغانستان، وتركيا وسواهما، ومن ذلك ما أعلن يوم 18 أيلول-سبتمبر 2002م: "من أن رؤساء دول أذربيجان، وتركيا، وجورجيا، ووزير الطاقة الأمريكي وضعوا حجر الأساس لأنبوب نفط ينقل نفط أذربيجان من باكو إلى ميناء جيهان التركي عبر أراضي جورجيا"، مما سيساهم في ضمان أمن منطقة جنوب القوقاز، ويحقّق الفوائد لكل الأطراف. ويذكر أن طول هذا الأنبوب يصل إلي (1760) كيلومتراً، وأن طاقته تبلغ ضخ نقل كمية (50) مليون طن من النفط سنوياً، وبكلفة ثلاثة مليارات دولار.

6. إحاطة الوطن العربي والبلاد الإسلامية بالقواعد العسكرية الأمريكية، وتطوير القواعد داخل المناطق الحساسة، تماماً مثلما تم به تطويق الاتحاد السوفيتي أيام الحرب الباردة، وعلى سبيل المثال، فقد أصبحت إيران مطوّقة بما يطلق عليه اسم (طوق النار)، حيث القوات الأمريكية في أفغانستان وباكستان والقواعد الأمريكية في تركيا، والأسطول الأمريكي في المحيط الهندي، والقواعد الأمريكية في الخليج، ويشبه هذا الوضع أيضاً وضع باكستان، فإذا ما تم احتلال أمريكا للعراق، فإن حلقات الطوق ستصبح أكثر إحكاماً، وتصبح كل قلعة عربية وإسلامية (بلد عربي وإسلامي) مطوّقاً بطوق العزلة.

لقد جاءت هذه التحديات الثقيلة لتفرض على الشعب العربي بمجموعه، وقياداته أيضاً ضرورة التحرّك للوصول إلى استجابة مناسبة. فما هو الشكل المتوقع أو الأفضل لمثل هذه الاستجابة، في مواجهة أوضاع عالمية تحمل من المجاهيل أكثر مما يظهر على السطح من العوامل المعلنة؟ وكيف يجب التعامل مع الخطر الذي رسم ظلاله على العالم؟

أولاً: ما من حاجة للقول إن الحرب المعلنة على العرب والمسلمين ليست جديدة ولا مباغتة وهي لن تصل نهايتها باحتلال العراق أو سواه، وبالتالي، فهذه الحرب من نوع الحروب طويلة الأمد، والتي تعتمد بالدرجة الأولى على تطوير القدرات الذاتية (المادية منها والمعنوية)، مع تجنّب الوقوع في المآزق التي تستنزف القدرة العربية القطرية، أو القومية قدر المستطاع. وتشكّل الصين نموذجاً في هذا المضمار، فعلى الرغم من تأكيد قيادات الصين على تصميمها الثابت للوصول إلى منافسة الولايات المتحدة عسكرياً، واقتصادياً، وحضارياً، وتقانياً؛ إلاّ أنهم يؤكّدون حرصهم وتصميمهم على تجنّب الصراع (مع الثور الهائج)، أو استثارته. وهذا ما يفسّر ابتعاد الصين عن اجتياح (تايوان)، رغم توافر القدرة الصينية لاجتياحها.

ثانياً: عدم الاعتماد على تظاهرات التأييد السياسية القادمة من عواصم العالم، وحتى من عواصم محور الخير (لندن وواشنطن)، إذ إن التأييد السياسي التظاهري مرتبط بمصالح الدول الكبرى، وهذه مستعدة دائماً لتغيير اتجاهاتها لقاء صفقة تجارية واحدة مجزية، ومن المفيد هنا تذكّر (مؤتمر الجزيرة في أسبانيا) سنة 1906م، من أجل إعادة توزيع الممتلكات الأوروبية فيما وراء البحار، والذي تبعه اتفاق سنة 1911م، وحصلت فرنسا بموجبه على حرية العمل في المغرب، كما حصلت روسيا على حرية العمل في الشرق، وحصلت ألمانيا على جزء من الكونغو (كنشاسا)، وحتى إيطاليا حصلت على ليبيا (طرابلس وبرقة)، ويمكن إضافة هذه التجربة إلى ما تبع ذلك من تجارب عرفها الوطن العربي بكل أقاليمه، وهي مستمرة حتى اليوم. ولا يعني ذلك التقوقع والانعزال عن الدول المعتدلة، أو الحيادية، أو المؤيدة للعرب تبعاً لدرجة ارتباطها بمصالحها، بقدر ما يعني دعم تلك المصالح في حدود ما يحصل عليه العرب من الدعم في إطار سياسة عربية متكاملة، وليس أبداً في إطار سياسة (قطرية).

ثالثاً: تمتلك الإدارة الأمريكية كما هو معروف القدرة على تجزئة سياستها الاستراتيجية الثابتة إلى استراتيجيات مرحلية، فإدراج (كوريا الشمالية) في محور الشر، سرعان ما أخذ اتجاهاً آخر، مع اقتراب موعد الهجوم المحتمل على العراق، وبإيجاز شديد، ففي يوم 18 أيلول- سبتمبر 2002م، وبوساطات يابانية، وكورية جنوبية، ثم فتح المنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريتين، واستؤنف الحوار لتطوير التعاون بين طرفي البلد الواحد، وأطلقت (بيونج يانج) دعوة جديدة إلى واشنطن، طالبت فيها أمريكا بوضع حد لمواقفها العدائية لكوريا الشمالية، ومتابعة تطوير الاتفاقات التي تم عقدها بين أمريكا (وبيونج يانج) منذ سنة 1996م. واستجابت أمريكا لهذه الدعوة، حيث أعلن يوم 30 أيلول- سبتمبر 2002م، أن وفداً أمريكياً رفيع المستوى سيزور (بيونج يانج) لمنافشة القضايا ذات الاهتمام المشترك، وبدأت مسيرة التعاون في التطور، وقد لا يبدو غريباً أن تعلن أمريكا أن (كوريا الشمالية) قد انتقلت من محور الشر إلى محور الخير.

رابعاً: لقد اتخذت روسيا، وألمانيا، وفرنسا، موقفاً صلباً في مواجهة السياسة العسكرية الأمريكية تجاه ضرب العراق، ففي يوم 21 أيلول- سبتمبر صرّح المستشار الألماني (غيرهارد شرويدر): "أن الشرق الأوسط بحاجة للسلام وليس بحاجة للحرب"، فاتهمته أمريكا بتسميم العلاقات مع أمريكا، فيما أعلن الرئيس الفرنسي (جاك شيراك) مايلي: "إن فرنسا ترفض أية مبادرة منفردة تجاه العراق". وسقطت في هذا الصراع السياسي وزيرة العدل الألمانية (هوتاداويلر غميلين)، وفقدت منصبها لأنها شبهت جورج بوش بهتلر وأساليبه. ولكن ها هو (شرويدر) يطلب وساطة (توني بلير) لإصلاح العلاقات الألمانية الأمريكية. أما موسكو فقد تمسّكت بموقفها الذي يرفض إصدار قرار عن مجلس الأمن يطلق يد أمريكا في حربها ضد العراق، فماذا تعني هذه المواقف؟

إن هذه المواقف تعبّرعن حقيقة التيار العالمي المناهض للعولمة أو (الأمركة)، وهو تيار يرفض التفرّد الأمريكي، وتفرّد القرار الأمريكي، وهو تيار هدفه استنزاف القدرة المعنوية (الهيبة) التي تمتلكها الولايات المتحدة، أم الهدف الثاني وهو: استنزاف القدرة المادية، فيتمثل بالتحريض للمقاومة المسلحة لكل عمل عسكري أمريكي. وقد لا تكون هناك حاجة للقول إنه ما من اتفاق بالتأكيد بين صانعي القرارات السياسية والعسكرية في موسكو وبرلين وباريس، وحتى بكين لخوض حرب ضد أمريكا، ولكنهم في الوقت ذاته سيشعرون بالسعادة مع كل تورّط أمريكي في حرب جديدة، بما في ذلك الحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، حيث يقوم العرب والمسلمون بما لا تستطيع السياسات في الدول الكبرى صنعه أو الاضطلاع به. ويمكن ضمن هذا الإطار التعامل مع التحريض الخارجي بقدر كبير من الحذر، لاسيما إذا ما كان هذا التحريض فارغاً من المضامين، ويفتقر للصدق، وقد يكون من الصعب معرفة المواقف الحقيقية إلاّ من خلال ما يمكن أن يتطوّر إليه حوار الإرادات المتصارعة على الساحة الدولية، وحيث يمثل العرب والمسلمون الطرف الأساسي في هذا الحوار.

خامساً: وكما استطاعت السياسة الاستراتيجية الأمريكية اختراق جبهات المعارضة الأوروبية، والكورية، والإيرانية، وسواها، فهناك أيضاً اختراقات عربية لم تعد مجهولة في الشارع العربي الذي يدرك ويعرف تلك الاختراقات بصادق إحساسه وبنور إيمانه، وتقع على صانعي القرارات العربية مسؤولية التعامل مع تلك الاختراقات في أصعب مرحلة عاشها الشعب العربي، حيث الفتن العاصفة تكاد تضرب جذور الوجود العربي، وقد يكون هذا الواجب من أصعب القضايا التي تتطلب معالجتها الأفضلية الأولى.

أما في مجال التعامل مع التحديات العسكرية، فقد أعطى الشعب الفلسطيني، والشعب الشيشاني، والشعب الباكستاني أمثولات رائعة حدّدت معالم طريق المقاومة، فإذا كان لابد من خوض الحرب، فيجب خوضها بما عرف عن العرب المسلمين عبر تاريخهم الطويل من التصميم والثبات، والإيمان بحتمية النصر، وفي كل الأحوال فالسؤال المطروح: هل عالجت القيادات العربية قضية مجابهة احتمالات العدوان، أم تركت لكل قطر حرية التعامل مع هذا العدوان في حدود قدرته وعلى مسؤوليته؟ وهل يمكن ترك الأمور لما تتطور إليه الأوضاع العالمية والإسلامية والعربية، أم يجب الإعداد للحرب بما تستحقه الحرب من الجدّية؟ تلك هي قضية حاضر الأمة العربية والإسلامية وقضية مستقبلها

 

مراجع البحث والتعليقات

ــــــــــــــ

The Inscapable Global Security Arena (Max.G..1 Manwaring. S.S.I (U.S. Army War. College) April, 2002. 122 Forbes Ave. Carlisle PA 17013-5244, U.S.A.

2. قصة مروحة الداي تتلخص بأنه: كان للجزائر ديون على فرنسا، فأوفدت فرنسا (ابن يهودية) لمناقشة داي الجزائر في هذا الدين، وأظهر الموفد الفرنسي (ابن اليهودية) من قلة الحياء والقحة ما استثار غضب الداي الذي أهوى على وجه محدثه بمروحة كانت في يده، فاتخذت من فرنسا ذلك ذريعة لمهاجمة الجزائر (سنة 1830م) واستعمارها.

3. محور الشر: Evil Axis.

4. الدول المارقة: Rogue States.

5. قد يكون من المناسب الإشارة إلى رد فعل روسيا تجاه ضم اسمها إلى قائمة الدول التي يمكن استخدام الأسلحة النووية ضدها، ففي يوم 11 آذار-مارس 2002م، أوردت صحيفة (أزفستيا) الروسية ما يلي: "إن زيارة وزير الدفاع الروسي (ايغور ايفانوف) إلى واشنطن قد جاءت على خلفية القائمة التي حددتها وزارة الدفاع الأمريكية مؤخراً ووضعت فيها سبع دول يتعين على أمريكا وضع خطط احتياطية لاستخدام الأسلحة النووية ضدها. وليست معروفة هي الأسباب التي دفعت واشنطن لإدراج روسيا ضمن القائمة، ولاريب أن العلاقات الروسية الأمريكية لن تكون كما هي عليه حالياً بعد صدور هذه القائمة".

6. إدارة الحرب، فوللر، ترجمة أكرم ديري، دار اليقظة العربية، بيروت 1971م، ص 523 525، وبالإضافة إلى نقاط (ويلسون) الأربع عشرة، فقد أصدر الرئيس ويلسون ما عُرف باسم المبادئ الأربعة في 218 شباط-فبراير 1918م، وأضاف التوجيهات الخمسة في 27

 

عن: مجلة كلية الملك خالد العسكرية

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ: 2010/03/30   ||   القرّاء: 6185



جميع الحقوق محفوظة لمركز آل الحكيم الوثائقي 2008 ـ 2022

||  يسمح للجميع الاقتباس مع ذكر المصدر  ||
تصميم، برمجة وإستضافة:   

الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net